الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                فصل وهذا الذي ذكرته فيما تركه المسلم من واجب ، أو فعله من محرم بتأويل اجتهاد أو تقليد ، واضح عندي ، وحاله فيه أحسن من حال الكافر المتأول .

                وهذا لا يمنع أن أقاتل الباغي المتأول ، وأجلد الشارب المتأول ، ونحو ذلك فإن التأويل لا يرفع عقوبة الدنيا مطلقا ; إذ الغرض بالعقوبة دفع فساد الاعتداء ، كما لا يرفع عقوبة الكافر : وإنما الكلام في قضاء ما تركه من واجب ، وفي العقود والقبوض التي فعلها بتأويل ، [ ص: 15 ] وفي ضمان النفوس والأموال التي استحلها بتأويل ، كما استحل أسامة قتل الذي قتله بعدما قال : لا إله إلا الله ، وكذلك لا يعاقب على ما مضى إذا لم يكن فيه زجر عن المستقبل .

                وأما العقوبة للدفع عن المستقبل : كقتال الباغي ، وجلد الشارب فهذه مقصودها أداء الواجب في المستقبل ، ودفع المحرم في المستقبل ، وهذا لا كلام فيه ، فإنه يشرع في مثل هذا عقوبة المتأول في بعض المواضع .

                وإنما الغرض بما يتعلق بالماضي من قضاء واجبه ، وترك الحقوق التي حصلت فيه ، والعقوبة على ما فعله ، فهذه الأمور المتعلقة به من الحدود والحقوق ، والعبادات هي التي يجب أن يكون المسلم المتأول أحسن حالا فيها من الكافر المتأول ، وأولى .

                فالتوبة تجب ما قبلها ، والمسلم المتأول معذور ، ومعه الإسلام الذي تغفر معه الخطايا ، والتوبة التي تجب ما كان قبلها ، وفي إيجاب القضاء وإسقاط الحقوق وإقامة العقوبات تنفير عن التوبة ، والرجوع إلى الحق أكثر من التنفير بذلك للكافر ، فإن إعلام الإسلام ودلالته أعظم من إعلام هذه الفروع ، وأدلتها ، والداعي إلى الإسلام من سلطان الحجة والقدرة قد يكون أعظم من الداعي إلى هذه الفروع .

                [ ص: 16 ] وهذا لا شبهة فيه عندي ، وإن كان فيه نزاع ; فإني أعلم أنه لولا مضي السنة بمثل ذلك في حق الكفار لكان مقتضى هذا القياس عند أصحابه طرده في حق الكافر أيضا ، وقد راعى أصحاب أبي حنيفة ذلك في النكاح ، فلم يمنعوا منه إلا ما له مساغ في الإسلام ، والنزاع لا يهتك حرمة العلم والفقه بعد ظهور حجته .

                التالي السابق


                الخدمات العلمية