الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الآية الثانية قوله تعالى : { فصل لربك وانحر } فيها خمس مسائل :

المسألة الأولى قوله تعالى : { فصل } فيه أربعة أقوال :

الأول اعبد .

الثاني : صل الصلوات الخمس .

الثالث : صل يوم العيد .

الرابع : صل الصبح بجمع .

المسألة الثانية قوله : { وانحر } فيه قولان : أحدهما اجعل يدك على نحرك إذا صليت .

الثاني : انحر البدن والضحايا .

المسألة الثالثة في تحقيق المراد من هذه الأقوال لهذه الآية : أما من قال : إنها العبادة فاحتج بأنها أصل الصلاة لغة وحقيقة على كل معنى ، وبكل اشتقاق ، فكأنه قال تعالى له صلى الله عليه وسلم : فاعبد ربك ولا تعبد غيره ، وانحر له [ ص: 395 ] ولا تنحر لسواه من الأصنام والأوثان والأنصاب حسبما كانت عليه العرب وقريش في جاهليتها .

وأما من قال : إنها الصلوات الخمس فلأنها ركن العبادات ، وقاعدة الإسلام ، وأعظم دعائم الدين .

وأما من قال : إنها صلاة الصبح بالمزدلفة فلأنها مقرونة بالنحر ، وهو في ذلك اليوم ، ولا صلاة فيه قبل النحر غيرها ، فخصصها من جملة الصلوات لاقترانها بالنحر ، فأما مالك فقال : ما سمعت فيه شيئا . والذي يقع في نفسي أن المراد بذلك صلاة الصبح يوم النحر والنحر بعدها .

قال القاضي رضي الله عنه : قد سمعنا فيه أشياء ، وروينا محاسن : قال علي : قوله : فصل لربك وانحر . قال : ضع يدك اليمنى على ساعدك [ اليسرى ] ثم ضعهما على نحرك قاله [ ابن عباس ، وقاله ] أبو الجوزاء .

وقال مجاهد : قوله : { وانحر } يوم النحر .

وقال الحكم : قوله : { لربك وانحر } صلاة الفجر والنحر .

وعن جعفر بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : الصلاة الصلاة ، النحر النحر .

وقال سعيد بن جبير : الصلاة ركعتان يوم النحر بمنى ثم اذبح .

وقال عطاء : موقفهم بجمع صلاتهم ، والنحر النحر .

قال مجاهد : النحر لنا والذبح لبني إسرائيل .

وقال عطاء : إن شاء ذبح ، وإن شاء نحر .

وقال عطاء أيضا : فصل لربك وانحر : إذا صليت الصبح فانحر .

وقال محمد بن كعب القرظي : إنا أعطيناك الكوثر فلا تكن صلاتك ولا نحرك إلا لله .

وروى أبو معاوية البجلي عن سعيد بن جبير أن سبب هذه الآية { يوم الحديبية ; أتاه جبريل ، فقال : انحر وارجع . فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب خطبة الفطر والأضحى ، ثم ركع ركعتين ، ثم انصرف إلى البدن فنحرها ; فذلك حين يقول : { فصل لربك وانحر } } . [ ص: 396 ]

قال قتادة : صلاة الأضحى والنحر نحر البدن .

فهذه أقوال أقران مالك ومتقدميه فيها كثير . وقد تركنا أمثالها .

والذي أراد مالك أنه أخذه من الأقران بين الصلاة والنحر ، ولا يقرنان إلا يوم النحر ، والاستدلال بالقرآن ضعيف في نفسه ما لم يعتضد بدليل من غيره .

والذي عندي أنه أراد : اعبد ربك وانحر له ، ولا يكن عملك إلا لمن خصك بالكوثر ، وبالحري أن يكون جميع العمل يوازي هذه الخصيصة من الكوثر ، وهو الخير الكثير الذي أعطاك الله إياه ، أو النهر الذي طينته مسك ، وعدد آنيته عدد نجوم السماء ، أما أن يوازي هذا صلاة يوم النحر وذبح كبش أو بقرة أو بدنة فذلك بعيد في التقدير والتدبير وموازنة الثواب للعباد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث