الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


إذا ثبت هذا فلا بد أن نفرغ على قالب القولين وننسج على منوال الفريقين ، فنقول : أما إذا قلنا إن المراد به النحر يوم الضحى فقد تقدم ذكره وسببه في سورة " والصافات " وغيرها . والأصل في ذلك قصة إبراهيم في ولده إسماعيل ، وما بينه الله فيه للأمة ، وجعله لهم قدوة ، وشرع تلك الملة .

وقد اختلف العلماء فيه على أربعة أقوال : القول الأول أنها واجبة ; قاله أبو حنيفة ، وابن حبيب .

وقال ابن القاسم : إن اشتراها وجبت . وهو الثاني .

الثالث أنها سنة واجبة ; قاله محمد بن المواز .

الرابع أنها سنة مستحسنة ، وهو أشهر الأقوال عندنا .

وقيل لعبد الله بن عمر : الأضحية واجبة هي ؟ فقال : ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحى المسلمون ، كما قال : أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوتر المسلمون .

وتعلق من أوجبها بقوله : { فصل لربك وانحر } ، وبقوله : { ملة أبيكم إبراهيم } .

وقد تقرب بدم واجب في يوم النحر ، فليتقرب كل من كان على ملته بدم واجب ; لأن الجميع قد ألزم الملة المذكورة . [ ص: 397 ]

وقد روى مسلم في صحيحه : { على أهل كل بيت أضحاة وعتيرة } . والعتيرة هي الرجبية .

{ وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بردة بن نيار حين ذبح الجذعة في الأضحية : تجزيك ، ولن تجزي عن أحد بعدك } . ولا يقال تجزي إلا في الواجب .

قلنا : أما قوله : { فصل لربك وانحر } فقد بينا اختلاف الناس فيه ، وما اخترناه من ذلك فلاحتماله تسقط الحجة منه .

وأما قوله : { ملة أبيكم } فملة أبينا إبراهيم تشتمل على فرائض وفضائل وسنن ، ولا بد في تعيين كل قسم منها من دليل .

وأما قوله عليه السلام : { تجزيك ولن تجزي عن أحد بعدك } ، فكذلك يقال تجزيك في السنة كما يقال في الفرض ، فلكل واحد شرعه ، وفيه شرطه ، ومنه إجزاؤه أو رده .

وأما قوله : { على أهل كل بيت أضحاة وعتيرة } فيعارضه حديث شعبة عن مالك خرجه مسلم : { من رأى منكم هلال ذي الحجة ، وأراد أن يضحي فلا يحلقن شعرا ، ولا يقلمن ظفرا حتى ينحر ضحيته } . فعلق الأضحية بالإرادة ، والواجب لا يتوقف عليها ; بل هو فرض أراد المكلف أو لم يرد .

وقد روى النسائي ، وأبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { أمرت بيوم الأضحى ، عيد جعله الله لهذه الأمة . قال رجل : أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أهلي أضحي بها ؟ قال : لا ، ولكن تأخذ من شعرك وأظافرك ، وتقص شاربك ، وتحلق عانتك ; فذلك تمام أضحيتك } .

قال القاضي أبو بكر بن محمد بن العربي : أنبأنا قراءة عليه عن أبي يوسف البغدادي عن أبي ذر عن عمر بن أحمد بن عثمان ، حدثنا محمد بن هارون الحضرمي ، حدثنا معتمر بن سليمان ، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن مطرف ، عن عامر بن حذيفة بن أسيد ، قال : لقد رأيت أبا بكر وعمر وهما يضحيان عن أهلهما خشية أن يستن بهما . قال : فلما جئت [ ص: 398 ] بلادكم هذه حملني أهلي على الجفاء بعد ما علمت السنة ، فقد تعارضت الأدلة ، والأصل براءة الذمة ، وهذا محقق في مسائل الخلاف ، وهذا القدر يكفي من القرآن والسنة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث