الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة

والقيد الخامس : قوله :( بالغدو والآصال ) وههنا مسائل :

المسألة الأولى : في لفظ "الغدو" قولان :

القول الأول : أنه مصدر يقال غدوت أغدو غدوا وغدوا ، ومنه قوله تعالى :( غدوها شهر ) [سبأ : 12] أي غدوها للسير ، ثم سمي وقت الغدو غدوا ، كما يقال : دنا الصباح أي وقته ، ودنا المساء أي وقته .

القول الثاني : أن يكون الغدو جمع غدوة ، قال الليث : الغدو جمع مثل الغدوات وواحد الغدوات غدوة ، وأما( والآصال ) فقال الفراء : واحدها أصل وواحد الأصل الأصيل ، قال يقال جئناهم مؤصلين أي عند الآصال ، ويقال الأصيل مأخوذ من الأصل ، واليوم بليلته إنما يبتدئ بالشروع من أول الليل ، وآخر نهار كل يوم متصل بأول ليل اليوم الثاني ، فسمي آخر النهار أصيلا ، لكونه ملاصقا لما هو الأصل لليوم الثاني .

المسألة الثانية : خص الغدو والآصال بهذا الذكر ، والحكمة فيه أن عند الغدوة انقلب الإنسان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة ، والعالم انقلب من الظلمة التي هي طبيعة عدمية إلى النور [ ص: 89 ] الذي هو طبيعة وجودية . وأما عند الآصال فالأمر بالضد لأن الإنسان ينقلب فيه من الحياة إلى الموت ، والعالم ينقلب فيه من النور الخالص إلى الظلمة الخالصة ، وفي هذين الوقتين يحصل هذان النوعان من التغيير العجيب القوي القاهر ، ولا يقدر على مثل هذا التغيير إلا الإله الموصوف بالحكمة الباهرة والقدرة الغير المتناهية ، فلهذه الحكمة العجيبة خص الله تعالى هذين الوقتين بالأمر بالذكر . ومن الناس من قال : ذكر هذين الوقتين والمراد مداومة الذكر والمواظبة عليه بقدر الإمكان . عن ابن عباس أنه قال في قوله :( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ) [الأعراف : 191] لو حصل لابن آدم حالة رابعة سوى هذه الأحوال لأمر الله بالذكر عندها ، والمراد منه أنه تعالى أمر بالذكر على الدوام .

والقيد السادس : قوله تعالى :( ولا تكن من الغافلين ) والمعنى أن قوله :( بالغدو والآصال ) دل على أنه يجب أن يكون الذكر حاصلا في كل الأوقات ، وقوله :( ولا تكن من الغافلين ) يدل على أن الذكر القلبي يجب أن يكون دائما ، وأن لا يغفل الإنسان لحظة واحدة عن استحضار جلال الله وكبريائه بقدر الطاقة البشرية والقوة الإنسانية ، وتحقيق القول أن بين الروح وبين البدن علاقة عجيبة ، لأن كل أثر حصل في جوهر الروح نزل منه أثر إلى البدن ، وكل حالة حصلت في البدن صعدت منها نتائج إلى الروح ، ألا ترى أن الإنسان إذا تخيل الشيء الحامض ضرس سنه ، وإذا تخيل حالة مكروهة وغضب سخن بدنه ، فهذه آثار تنزل من الروح إلى البدن ، وأيضا إذا واظب الإنسان على عمل من الأعمال وكرره مرات وكرات حصلت ملكة قوية راسخة في جوهر النفس ، فهذه آثار صعدت من البدن إلى النفس .

إذا عرفت هذا فنقول : إذا حضر الذكر اللساني بحيث يسمع نفسه حصل أثر من ذلك الذكر اللساني في الخيال ، ثم يصعد من ذلك الأثر الخيالي مزيد أنوار وجلايا إلى جوهر الروح ، ثم تنعكس من تلك الإشراقات الروحانية آثار زائدة إلى اللسان ومنه إلى الخيال ، ثم مرة أخرى إلى العقل ، ولا يزال تنعكس هذه الأنوار من هذه المرايا بعضها إلى بعض ، ويتقوى بعضها ببعض ويستكمل بعضها ببعض ، ولما كان لا نهاية لتزايد أنوار المراتب ، لا جرم لا نهاية لسفر العارفين في هذه المقامات العالية القدسية ، وذلك بحر لا ساحل له ، ومطلوب لا نهاية له .

واعلم أن قوله تعالى :( واذكر ربك في نفسك ) وإن كان ظاهره خطابا مع النبي عليه السلام إلا أنه عام في حق كل المكلفين ، ولكل أحد درجة مخصوصة ومرتبة معينة بحسب استعداد جوهر نفسه الناطقة كما قال في صفة الملائكة :( وما منا إلا له مقام معلوم ) [الصافات : 164] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث