الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب لا يطوف بالبيت عريان، [ولا يحج مشرك]

1543 1622 - حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، قال يونس: قال ابن شهاب: حدثني حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة أخبره، أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - بعثه في الحجة التي أمره عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط، يؤذن في الناس: " ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان". [انظر: 369- مسلم: 1347 - فتح: 3 \ 483]

التالي السابق


ذكر فيه حديث أبي هريرة:

أن أبا بكر الصديق بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط، يؤذن في الناس أن: "لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان".

هذا الحديث ذكره في أوائل الصلاة كما سلف، وفي آخره. قال حميد بن عبد الرحمن: ثم أردف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليا، فأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة: فأذن معنا علي .. الحديث .

وفي المغازي قال أبو عبد الله: وذلك في سنة تسع ، وفي لفظ: قال الزهري: فكان حميد بن عبد الرحمن يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة .

وفي الجزية: فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج في العام [ ص: 415 ] المقبل مشرك ، فأنزل الله تعالى: إنما المشركون نجس [التوبة: 28]، وكان المشركون يوافون بالتجارة، فقال تعالى: وإن خفتم عيلة [التوبة: 28] الآية، ثم أحل في الآية التي فيها تتبعنا الجزية، ولم تؤخذ قبل ذلك، فجعله عوضا مما منعهم من موافاة المشركين بتجاراتهم فقال: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر [التوبة: 29] الآية، فلما أحل الله ذلك للمسلمين علموا أنه قد عاضهم أفضل مما خافوا ووجدوا عليه مما كان المشركون يوافون به من التجارة. وقد سلف فقه الباب هناك، وأنه حجة لاشتراط ستر العورة في الطواف.

قال السهيلي: كان سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدم من تبوك أراد الحج، فذكر مخالطة المشركين للناس في حجهم، وتلبيتهم بالشرك، وطوافهم عراة بالبيت. وكانوا يقصدون بذلك أن يطوفوا كما ولدوا بغير الثياب التي أذنبوا فيها وظلموا، فأمسك عن الحج في ذلك العام، وبعث أبا بكر بسورة براءة لينبذ إلى كل ذي عهد عهده من المشركين، إلا بعض بني بكر الذين كان لهم عهد إلى أجل خاص، ثم أردف بعلي، فرجع أبو بكر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: هل أنزل في قرآن؟ قال: "لا، ولكن أردت أن يبلغ عني من هو من أهل بيتي". قال أبو هريرة: فأمرني علي أن أطوف في المنازل من منى ببراءة، فكنت أصيح حتى صحل حلقي، فقلت له: بم كنت تنادي؟ قال: بأربع: أن لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأن لا يحج بعد العام مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد فله أجل أربعة أشهر، ثم لا عهد له، وكان المشركون إذا سمعوا النداء ببراءة يقولون لعلي:

[ ص: 416 ] سترون بعد الأربعة الأشهر أنه لا عهد بيننا وبين ابن عمك إلا الطعن والضرب، ثم إن الناس في تلك المدة رغبوا في الإسلام حتى دخلوا فيه طوعا وكرها .

وكانوا بالبيت على أصناف ثلاثة: فالحمس فيما ذكر ابن إسحاق: أن قريشا ابتدعت بعد الفيل -أو قبله- أن لا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس، فإن لم يجدوا منها شيئا طافوا عراة، فإن تلوم منهم متلوم من رجل أو امرأة ولم يجد ثياب أحمس فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل، ألقاها إذا فرغ من طوافه، ثم لم ينتفع بها، ولم يمسها.

أما الرجال فيطوفون عراة، وأما النساء فتضع إحداهن ثيابها، إلا درعا مفرجا عليها، ثم تطوف فيه. فقالت امرأة وهي تطوف:


اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله



والحلة: وهم ما عدا الحمس، كانوا يطوفون عراة إن لم يجدوا ثياب أحمس. والطلس: كانوا يأتون من أقصى اليمن طلسا من الغبار، فيطوفون بالبيت في تلك الثياب الطلس، قال ابن حبيب: فسموا بذلك، وروى المطلب بن أبي وداعة أن قائلة هذا البيت:

[ ص: 417 ] ضباعة بنت عامر، وأنها طافت عريانة واضعة يديها على فخذيها، وقريش قد أحدقت بها. وعند الرياشي زيادة فيه:

كم من لبيب لبه يضله وناظر ينظر ما يمله جهم من الجسم عظيم ظله فطافت أسبوعا.

وفي "تاريخ ابن عساكر": كانت تغطي جسدها بشعرها، وكانت إذا جلست أخذت من الأرض شيئا كثيرا لعظم خلقها .

وقد أسلفنا أن هذه الحجة كانت سنة تسع، وحج - صلى الله عليه وسلم - في العاشرة.

وسيأتي في البخاري في باب الخطبة أيام منى أنه - صلى الله عليه وسلم - لما وقف يوم النحر بين الجمرات في حجته وقال: "هذا يوم الحج الأكبر" .

وهو نص أخذ به مالك، وهو قول علي ، والمغيرة ، وابن عباس ، وابن عمر .

[ ص: 418 ] وروي عن ابن عباس أنه قال: هو يوم عرفة . وقاله طاوس ومجاهد ، وقال ابن سيرين: الحج الأكبر: العام الذي حج فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتفق فيه جميع الملل ، وأراد - صلى الله عليه وسلم - أن ينظف البيت من المشركين والعراة، ويكون حجه له على نظافة من هذين الطائفتين، فبعث الصديق أولا وأردفه بعلي يؤذن ببراءة، ثم حج.

وقد اختلف الناس في حجة أبي بكر هذه إن كانت حجة الإسلام بعد نزول فرضه، وإن كانت على حج الجاهلية ومواسمها، والذي يعطيه النظر الأول; لأن وقوفه كان بعرفة مع الناس كافة، وإنما كان الحمس -وهم قريش- يقفون بالمشعر الحرام، فلما خالف أبو بكر العادة لقريش وأخرجهم من الحرم إلى عرفات، دل أنه إنما وقف بأمره، وأنه - صلى الله عليه وسلم - امتثل قوله: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم [البقرة: 199] يعني: العرب كافة، وقوله تعالى هذا هو متقدم بفرض الحج، ووصف لشرائعه كلها، فثبت بهذا ما ذكرناه مع أنه أيضا حج في ذي الحجة، وكانت العرب لا تتوخى بحجها إلا ما كانت عليه من النسيء، يحلونه عاما ويحرمونه عاما آخر، وقد اختلف الناس في الحج: هل هو على الفور أم لا؟ كما سلف في أول الحج.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث