الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل بيان مقام الإمام والمأموم

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما بيان مقام الإمام والمأموم فنقول : إذا كان سوى الإمام ثلاثة يتقدمهم الإمام لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل الأمة بذلك .

وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : { إن جدتي مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعام فقال صلى الله عليه وسلم : قوموا لأصلي بكم ، فأقامني واليتيم من ورائه ، وأمي أم سليم من ورائنا } ; ولأن الإمام ينبغي أن يكون بحال يمتاز بها عن غيره ولا يشتبه على الداخل ليمكنه الاقتداء به ، ولا يتحقق ذلك إلا بالتقدم .

ولو قام في وسطهم أو في ميمنة الصف أو في ميسرته جاز وقد أساء ، أما الجواز فلأن الجواز يتعلق بالأركان وقد وجدت .

وأما الإساءة فتركه السنة المتواترة ، وجعل نفسه بحال لا يمكن الداخل الاقتداء به ، وفيه تعريض اقتدائه للفساد ، ولذلك إذا كان سواه اثنان يتقدمهما في ظاهر الرواية .

وروي عن أبي يوسف أنه يتوسطهما لما روي عن { عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه صلى بعلقمة والأسود وقام وسطهما ، وقال هكذا صنع بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم } .

( ولنا ) ما روينا { أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأنس واليتيم وأقامهما خلفه } ، وهو مذهب علي وابن عمر رضي الله عنهما وأما حديث ابن مسعود فهذه الزيادة وهي قوله : صنع بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ترو في عامة الروايات فلم يثبت وبقي مجرد الفعل ، وهو محمول على ضيق المكان ، كذا قال إبراهيم النخعي ، وهو كان أعلم الناس بأحوال عبد الله ومذهبه .

ولو ثبتت الزيادة فهي أيضا محمولة على هذه الحالة أي : هكذا صنع بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ضيق المكان ، على أن الأحاديث إن تعارضت وجب المصير إلى المعقول الذي لأجله يتقدم الإمام ، وهو ما ذكرنا أنه يتقدم لئلا يشتبه حاله ، وهذا المعنى موجود فيما نحن فيه ، غير أن ههنا لو قام الإمام وسطهما لا يكره لورود الأثر وكون التأويل من باب الاجتهاد .

وإن كان مع الإمام رجل واحد أو صبي يعقل الصلاة يقف عن يمين الإمام لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال { بت عند خالتي ميمونة لأراقب صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : نامت العيون وغارت النجوم وبقي الحي القيوم ، ثم قرأ آخر آل عمران { إن في خلق السماوات والأرض } الآيات ، ثم قام إلى شن [ ص: 159 ] معلق في الهواء فتوضأ وافتتح الصلاة ، فتوضأت ووقفت عن يساره ، فأخذ بأذني - وفي رواية بذؤابتي - وأدارني خلفه حتى أقامني عن يمينه ، فعدت إلى مكاني فأعادني ثانيا وثالثا ، فلما فرغ قال : ما منعك يا غلام أن تثبت في الموضع الذي أوقفتك فيه ؟ فقلت : أنت رسول الله ولا ينبغي لأحد أن يساويك في الموقف فقال صلى الله عليه وسلم : اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ، فإعادة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه إلى الجانب الأيمن } دليل على أن المختار هو الوقوف على يمين الإمام إذا كان معه رجل واحد ، وكذا روي { عن حذيفة رضي الله عنه أنه قام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فحوله وأقامه عن يمينه } ، ثم إذا وقف عن يمينه لا يتأخر عن الإمام في ظاهر الرواية ، وعن محمد أنه ينبغي أن تكون أصابعه عند عقب الإمام ، وهو الذي وقع عند العوام .

ولو كان المقتدي أطول من الإمام وكان سجوده قدام الإمام لم يضره ; لأن العبرة لموضع الوقوف لا لموضع السجود ، كما لو وقف في الصف ووقع سجوده أمام الإمام لطوله ولو وقف عن يساره جاز ; لأن الجواز متعلق بالأركان ، ألا ترى أن ابن عباس وحذيفة رضي الله عنهما وقفا في الابتداء عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جوز اقتداءهما به ؟ ولكنه يكره ; لأنه ترك المقام المختار له ، ولهذا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عباس وحذيفة وقف خلفه جاز لما مر ، وهل يكره ؟ لم يذكر محمد الكراهة نصا ، واختلف المشايخ فيه : قال بعضهم : لا يكره ; لأن الواقف خلفه أحد الجانبين منه على يمينه فلا يتم إعراضه عن السنة ، بخلاف الواقف على يساره .

وقال بعضهم : يكره ; لأنه يصير في معنى المنفرد خلف الصف وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { : لا صلاة لمنبذ خلف الصفوف } ، وأدنى درجات النهي هو الكراهة ، وإنما نشأ هذا الاختلاف عن إشارة محمد فإنه قال : وإن صلى خلفه جازت صلاته ، وكذلك إن وقف عن يسار الإمام وهو مسيء - فمنهم من صرف جواب الإساءة إلى آخر الفعلين ذكرا ، ومنهم من صرفه إليهما جميعا ، وهو الصحيح ; لأنه عطف أحدهما على الآخر بقوله : " وكذلك " ، ثم أثبت الإساءة فينصرف إليهما .

وإذا كان مع الإمام امرأة أقامها خلفه ; لأن محاذاتها مفسدة ، وكذلك لو كان معه خنثى مشكل لاحتمال أنه امرأة ولو كان معه رجل وامرأة ، أو رجل وخنثى ، أقام الرجل عن يمينه والمرأة أو الخنثى خلفه .

ولو كان معه رجلان وامرأة أو خنثى أقام الرجلين خلفه والمرأة والخنثى خلفهما ولو اجتمع الرجال والنساء والصبيان والخناثى والصبيات المراهقات فأرادوا أن يصطفوا للجماعة - يقوم الرجال صفا مما يلي الإمام ، ثم الصبيان بعدهم ، ثم الخناثى ، ثم الإناث ، ثم الصبيات المراهقات .

وكذلك الترتيب في الجنائز إذا اجتمعت وفيها جنازة الرجل والصبي والخنثى والأنثى والصبية المراهقة ، وكذلك القتلى إذا جمعت في حفيرة واحدة عند الحاجة على ما يذكر ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى - ( وأفضل ) مكان المأموم إذا كان رجلا حيث يكون أقرب إلى الإمام ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : { خير صفوف الرجال أولها ، وشرها آخرها } ، وإذا تساوت المواضع في القرب إلى الإمام فعن يمينه أولى ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في الأمور ، وإذا قاموا في الصفوف تراصوا وسووا بين مناكبهم لقوله صلى الله عليه وسلم { تراصوا وألصقوا المناكب بالمناكب } .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث