الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 5328 ] سورة " الشعراء "

تمهيد:

هي سورة مكية؛ نزلت بمكة؛ إلا آية 195؛ وآية 221؛ وعدد آياتها 227؛

وسميت " الشعراء " ; لأن في آخرها قوله (تعالى): والشعراء يتبعهم الغاوون

وسورة " الشعراء " ؛ أكثرها خصص للنبيين؛ والعبرة فيهم.

ابتدأت السورة بالحروف المتقطعة التي لا يعلمها إلا الله؛ ثم ذكرت حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على إيمان المشركين من قريش؛ لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ؛ وإن الله (تعالى) خالقهم؛ قدر لهم حالهم؛ فلن تغير؛ إن نشأ ننـزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ؛ وقد وصف - سبحانه وتعالى - حالهم فقال: وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين ؛

فقد كذبوا قبل أن يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون؛ وقد نبههم - سبحانه - إلى أنهم كذبوا؛ والآيات تخبرهم بإبداع الخالق ووحدانيته؛ أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم

وقد ذكرهم - سبحانه - بالذين كانوا أقوى منهم سلطانا؛ وابتدأ بذكر فرعون؛ ويلاحظ هنا أنه - سبحانه - لم يكرر ما ذكر في خبر هذا الموضع من أنباء موسى وفرعون؛ إلا ما يقتضيه السياق عما ذكر في غيره؛ فهنا ذكر ما كان بين فرعون وموسى في مرباه في بيته؛ ولم يذكر من قبل؛ وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن أرسل معنا بني إسرائيل [ ص: 5329 ] هنا يبتدئ ذكر تربية موسى؛ ولم يذكر من قبل: قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين ؛ هنا يعترف الرسول بفعلته؛ قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ؛ أخذ فرعون يسأل عن رب العالمين: قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون ؛ فأجاب موسى: ربكم ورب آبائكم الأولين ؛ هنا يرميه بالجنون؛ كما قالت قريش؛ ولكن موسى يصر على التعريف بربه؛ فيقول: قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون

وعند ذلك يهدد فرعون موسى بسجنه إن اتخذ إلها غيره؛ قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال أولو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونـزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ؛ بهره الأمر؛ ولكنه لم يذعن؛ وظن أنه سحر؛ وقال: إن هذا لساحر عليم ؛ ولم يكن غريبا ذلك؛ لأن السحرة كانوا علماءهم؛ والتفت إلى أصحابه والملإ حوله؛ قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم فجمع السحرة لميقات يوم معلوم وقيل للناس هل أنتم مجتمعون

وكأنه كان يتردد في جمع الناس؛ حتى لا يؤثر فيهم ما يأتي به موسى؛ اجتمعوا والسحرة؛ وطلب السحرة أجرا على ما يفعلون إن كانوا هم الغالبين؛ فوعدهم بالأجر؛ وأكثر من الأجر؛ وهو أن يكونوا من المقربين إليه؛ لكن السحرة؛ خيبوا ظنه؛ وآمنوا برب موسى وهارون؛ فقال: قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين

احتدم الخلاف؛ موسى يدعو إلى ربه؛ وفرعون يعذب؛ فأوحى الله تعالي: أن أسر بعبادي إنكم متبعون ؛ وأرسل فرعون يستنصر بقومه الذين لم يعاينوا خذلانه؛ وشهادة السحرة عليه؛ إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا [ ص: 5330 ] لغائظون وإنا لجميع حاذرون ؛ فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين

وأوحى الله (تعالى) إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ؛ وأنجى الله موسى وبني إسرائيل؛ وأغرق الآخرين.

بعد هذه الأجزاء من قصة موسى وفرعون؛ والمتأمل فيها يجد أنها ليست مكررة إلا بما يقتضي المقام ذكره؛ وما يذكر؛ يجد المتأمل فيه نوع اختلاف وتوجيه؛ لم يذكر في غير هذا الموضع؛ وكل كلام الله (تعالى) له حلاوة؛ وعليه طلاوة.

وجاء من بعد ذلك قصص أبي الأنبياء إبراهيم؛ وفيه يبتدئ إبراهيم باستنكار عبادة الأوثان؛ ويبين لقومه أنها لا تصلح أن تكون معبودا؛ لأنها لا تسمع ولا تنفع ولا تضر: هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون

ويردون قوله بأنهم وجدوا آباءهم يفعلون؛ فينذر بهم إبراهيم ويقول: إنهم عدو لي إلا رب العالمين؛ ويصف ربه (تعالى)؛ وأفعاله؛ فيقول: الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين

ويتجه من بعد إلى ربه يدعوه: رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لأبي إنه كان من الضالين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم وأزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين

ثم بين - سبحانه وتعالى - ما يكون يوم القيامة عندما يلتقي الكافرون وما يعبدون من دون الله: هل ينصرونكم أو ينتصرون فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين وما أضلنا إلا المجرمون فما لنا من شافعين ولا صديق حميم فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم [ ص: 5331 ] بعد ذلك أشار إلى قصص نوح وقومه: إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين فاتقوا الله وأطيعون قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون قال وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير مبين قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين قال رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم

ثم أشار - سبحانه - إلى عاد ورسولهم هود؛ وقد دعاهم كما دعا نوح؛ وكذبوه كما كذب قوم نوح؛ فقال لهم: واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين إن هذا إلا خلق الأولين وما نحن بمعذبين

ولقد ذكر - سبحانه وتعالى - بعد ذلك قصة ثمود ونبيهم صالح؛ إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون في ما ها هنا آمنين في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون قالوا إنما أنت من المسحرين ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم فعقروها فأصبحوا نادمين فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم [ ص: 5332 ] ثم يذكر - سبحانه - مشيرا إلى قصة نبي الله لوط؛ وقومه الفاسقين؛ فقد نصحهم؛ وأرشدهم إلى عيبهم الفاسق الفاجر؛ أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون ؛ وقد لجوا في طغيانهم يعمهون؛ قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين قال إني لعملكم من القالين رب نجني وأهلي مما يعملون فنجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين ثم دمرنا الآخرين وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم

ولقد ذكر بعد ذلك قصة شعيب - عليه السلام - مع أصحاب الأيكة؛ قال لهم شعيب: إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين قالوا إنما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين قال ربي أعلم بما تعملون فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم

وبعد هذا البيان القصصي الذي فيه عبرة؛ ببيان أحوال من سبقوهم من أهل الكفر؛ وتشابه أقوالهم؛ ذكر - سبحانه - القرآن الحجة الكبرى؛ والمعجزة الخالدة المستمر إعجازها؛ فقال: وإنه لتنـزيل رب العالمين نـزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين وإنه لفي زبر الأولين أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ولو نـزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم

ثم بين - سبحانه - أن العذاب يجيئهم من حيث لا يشعرون؛ فيقولوا هل نحن منظرون ؛ ثم يذكر - سبحانه - أنهم كانوا يستعجلون عذاب الله؛ فيقول - سبحانه - وتعالي: أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون [ ص: 5333 ] وقد بين الله - سبحانه وتعالى - أنه ما أهلك قرية إلا بعد إنذارها؛ فقال: وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين وما تنـزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون

ويدعو الله (تعالى) نبيه ومن معه؛ ومن أرسل إليهم؛ فيقول: فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين إنه هو السميع العليم

وبين - سبحانه وتعالى - من تنزل عليه الشياطين؛ تنـزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون

وبين بعد ذلك أنه بمنأى عن الشعر والشعراء؛ فقال: والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث