الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى "وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد "

القول تأويل قوله تعالى : ( وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد ( 49 ) سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار ( 50 ) ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب ( 51 ) )

يقول تعالى ذكره : وتعاين الذين كفروا بالله ، فاجترموا في الدنيا الشرك يومئذ ، يعني : يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات . ( مقرنين في الأصفاد ) يقول : مقرنة أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد ، وهي الوثاق من غل وسلسلة ، واحدها : صفد ، يقال منه : صفدته في الصفد صفدا وصفادا ، [ ص: 53 ] والصفاد : القيد ، ومنه قول عمرو بن كلثوم :

فآبوا بالنهاب وبالسبايا وأبنا بالملوك مصفدينا ومن جعل الواحد من ذلك صفادا جمعه : صفدا لا أصفادا ، وأما من العطاء ، فإنه يقال منه : أصفدته إصفادا ، كما قال الأعشى :

تضيفته يوما فأكرم مجلسي وأصفدني عند الزمانة قائدا وقد قيل في العطاء أيضا : صفدني صفدا ، كما قال النابغة الذبياني :

هذا الثناء فإن تسمع لقائله فما عرضت أبيت اللعن بالصفد وبنحو الذي قلنا في معنى قوله ( مقرنين في الأصفاد ) قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني المثنى ، قال : ثني عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله ( مقرنين في الأصفاد ) يقول : في وثاق .

حدثني محمد بن عيسى الدامغاني ، قال : ثنا ابن المبارك ، عن جويبر ، عن الضحاك ، قال : الأصفاد : السلاسل

حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( مقرنين في الأصفاد ) قال : مقرنين في القيود والأغلال .

[ ص: 54 ] حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا علي بن هاشم بن البريد ، قال : سمعت الأعمش ، يقول : الصفد : القيد .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ( مقرنين في الأصفاد ) قال : صفدت فيها أيديهم وأرجلهم ورقابهم ، والأصفاد : الأغلال .

وقوله : ( سرابيلهم من قطران ) يقول : قمصهم التي يلبسونها ، واحدها : سربال ، كما قال امرؤ القيس :


لعوب تنسيني إذا قمت سربالي

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ( سرابيلهم من قطران ) قال : السرابيل : القمص . وقوله : ( من قطران ) يقول : من القطران الذي يهنأ به الإبل ، وفيه لغات ثلاث : يقال : قطران وقطران بفتح القاف وتسكين الطاء منه . وقيل : إن عيسى بن عمر كان يقرأ "من قطران" بكسر القاف وتسكين الطاء ، ومنه قول أبي النجم :

جون كأن العرق المنتوحا لبسه القطران والمسوحا بكسر القاف ، وقال أيضا :

كأن قطرانا إذا تلاها ترمي به الريح إلى مجراها [ ص: 55 ] بالكسر .

وبنحو ما قلناه في ذلك يقول من قرأ ذلك كذلك .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا عبد الوهاب ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ( من قطران ) يعني : الخصخاص هناء الإبل .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن ( من قطران ) قال : قطران الإبل .

وقال بعضهم : القطران : النحاس .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : قطران : نحاس ، قال ابن جريج : قال ابن عباس ( من قطران ) نحاس .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة ( من قطران ) قال : هي نحاس ، وبهذه القراءة : أعني بفتح القاف وكسر الطاء ، وتصيير ذلك كله كلمة واحدة ، قرأ ذلك جميع قراء الأمصار ، وبها نقرأ لإجماع الحجة من القراء عليه .

وقد روي عن بعض المتقدمين أنه كان يقرأ ذلك : "من قطر آن" بفتح القاف وتسكين الطاء وتنوين الراء وتصيير آن من نعته ، وتوجيه معنى القطر إلى أنه النحاس ، ومعنى الآن ، إلى أنه الذي قد انتهى حره في الشدة .

وممن كان يقرأ ذلك كذلك فيما ذكر لنا عكرمة مولى ابن عباس ، حدثني بذلك أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا حصين عنه .

ذكر من تأول ذلك على هذه القراءة التأويل الذي ذكرت فيه حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد ، في قوله "سرابيلهم من قطر آن" قال : قطر ، والآن : الذي قد انتهى حره .

حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا داود بن مهران ، عن يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير نحوه .

[ ص: 56 ] حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا هشام ، قال : ثنا يعقوب القمي ، عن جعفر ، عن سعيد ، بنحوه .

حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد ، قال : ثنا يعقوب القمي ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ "سرابيلهم من قطر آن" .

حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا عفان ، قال : ثنا المبارك بن فضالة ، قال : سمعت الحسن يقول : كانت العرب تقول للشيء إذا انتهى حره : قد أني حر هذا ، قد أوقدت عليه جهنم منذ خلقت فأني حرها .

حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرحمن بن سعيد ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس في قوله "سرابيلهم من قطر آن" قال : القطر : النحاس ، والآن : يقول : قد أني حره ، وذلك أنه يقول : حميم آن .

حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا عفان بن مسلم ، قال : ثنا ثابت بن يزيد ، قال : ثنا هلال بن خباب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في هذه الآية "سرابيلهم من قطر آن" قال : من نحاس ، قال : آن أني لهم أن يعذبوا به .

حدثني المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم ، عن حصين ، عن عكرمة ، في قوله " من قطر آن" قال : الآني : الذي قد انتهى حره .

حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : " من قطر آن" قال : هو النحاس المذاب .

حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا عبد الوهاب بن عطاء ، عن سعيد ، عن قتادة " من قطر آن" يعني : الصفر المذاب .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن قتادة "سرابيلهم من قطر آن" قال : من نحاس .

حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا هشام ، قال : ثنا أبو حفص ، عن هارون ، عن قتادة أنه كان يقرأ " من قطر آن" قال : من صفر قد انتهى حره .

وكان الحسن يقرؤها "من قطر آن" .

وقوله : ( وتغشى وجوههم النار ) يقول : وتلفح وجوههم النار فتحرقها [ ص: 57 ] ( ليجزي الله كل نفس ما كسبت ) يقول : فعل الله ذلك بهم جزاء لهم بما كسبوا من الآثام في الدنيا ، كيما يثيب كل نفس بما كسبت من خير وشر ، فيجزي المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته ( إن الله سريع الحساب ) يقول : إن الله عالم بعمل كل عامل ، فلا يحتاج في إحصاء أعمالهم إلى عقد كف ولا معاناة ، وهو سريع حسابه لأعمالهم ، قد أحاط بها علما ، لا يعزب عنه منها شيء ، وهو مجازيهم على جميع ذلك صغيره وكبيره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث