الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب خروج النساء إلى البراز

146 147 - حدثنا زكرياء قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "قد أذن أن تخرجن في حاجتكن". قال هشام: يعني: البراز. [انظر: 146 - مسلم: 2170 - فتح: 1 \ 249]

التالي السابق


حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع -وهو صعيد أفيح- فكان عمر يقول للنبي - صلى الله عليه وسلم -: احجب نساءك. فلم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة - زوج النبي صلى الله عليه وسلم - ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة. حرصا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله آية الحجاب.

الكلام عليه من أوجه:

أحدها: في التعريف برواته: وقد سلف مفرقا.

ثانيها:

معنى (تبرزن): خرجن إلى البراز للبول والغائط.

[ ص: 119 ] و(المناصع): المواضع التي يتخلى فيها للحاجة، واحدها منصع، قال الزبيدي والأزهري: أراها مواضع خارج المدينة. وقال الداودي: هي التي يؤتى ذلك فيها فيضع الإنسان ويذهب عنه فعل ذلك. وعبارة ابن الجوزي في "غريبه" ومن خطه نقلت: هي المواضع التي يتخلى فيها للحاجة، وكان صعيدا أفيح خارج المدينة يقال له: المناصع.

وهو بمعنى ما سلف.

و(الصعيد): وجه الأرض.

و(الأفيح): المتسع، ودارا فيحاء: واسعة.

و(البراز) في ترجمة البخاري، بفتح الباء، وهو لغة: ما برز من الأرض واتسع، كنى به عن الحدث كما كنى بالغائط، وهو المطمئن من الأرض.

وفي "سنن أبي داود"، وابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعا: "اتقوا الملاعن الثلاث"، وعد منها البراز في الموارد، قال الخطابي: هو بفتح الباء وغلط من رواه بكسرها، ولا يسلم له.

[ ص: 120 ] الوجه الثالث: في فوائده:

الأولى: مراجعة الأدنى للأعلى في الشيء المتبين.

الثانية: فضل المراجعة إذا لم يقصد بها التعنت; فإنه قد تبين فيها من العلم ما خفي، فإن نزول الآية وهي قوله تعالى: يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك الآية [الأحزاب: 59]، كان سبب المراجعة.

الثالثة: فضل عمر؛ فإن الله أيد به الدين، وهذه إحدى ما وافق فيها ربه.

وثانيها: في قوله: عسى ربه إن طلقكن [التحريم: 5].

وثالثها: قوله: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟

وهذه الثلاثة ثابتة في الصحيح كما ستعلمه في الصلاة.

ورابعها: موافقته في أسرى بدر.

خامسها: في منع الصلاة على المنافقين. وهاتان في "صحيح مسلم".

سادسها: موافقته في آية المؤمنين; روينا في "مسند أبي داود الطيالسي" من حديث علي بن زيد: وافقت ربي لما نزلت: ثم أنشأناه خلقا آخر [المؤمنون: 14] فقلت أنا: تبارك الله أحسن الخالقين. فنزلت.

[ ص: 121 ] سابعها: موافقته في تحريم الخمر، كما ستعلمه إن شاء الله في موضعه.

ثامنها: موافقته في قوله: من كان عدوا لله وملائكته الآية [البقرة: 98]. ذكره الزمخشري، وقال ابن العربي: قدمنا في الكتاب الكبير أنه وافق ربه تعالى تلاوة ومعنى في أحد عشر موضعا، وهذا من النفائس.

وفي "جامع الترمذي" مصححا عن ابن عمر: ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال عمر فيه إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر.

الرابعة:

كلام الرجال مع النساء في الطريق.

الخامسة:

جواز وعظ الإنسان أمه في البر; لأن سودة من أمهات المؤمنين.

[ ص: 122 ] السادسة:

جواز الإغلاظ في القول والعتاب إذا كان قصده الخير، فإن عمر قال: قد عرفناك يا سودة; وكان شديد الغيرة لا سيما في أمهات المؤمنين.

السابعة:

التزام النصيحة لله ولرسوله في قول عمر: احجب نساءك.

وكان - صلى الله عليه وسلم - يعلم أن حجبهن خير من غيره، لكنه كان يترقب الوحي، بدليل أنه لم يوافق عمر حين أشار بذلك، وكان عدمه من عادة العرب.

قال القاضي عياض: والحجاب الذي خص به أمهات المؤمنين هو فرض عليهن، بلا خلاف، في الوجه والكفين؛ فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا غيرها، ولا إظهار شخصهن إذا خرجن، كما فعلت حفصة يوم مات أبوها، ستر شخصها حين خرجت، وزينب عمل لها قبة لما توفيت قال تعالى: وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب [الأحزاب: 53].

فائدة:

كان الحجاب في السنة الخامسة في قول قتادة. وقال أبو عبيدة: في الثالثة. وقال ابن إسحاق: بعد أم سلمة. وعند ابن سعد: في الرابعة في ذي القعدة; وذلك لما تزوج زينب بنت جحش أولم عليها، وأكل جماعة وهي مولية بوجهها إلى الحائط ولم يخرجوا، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يخرجوا، وعاد فلم يخرجوا؛ فنزلت آية الحجاب.

[ ص: 123 ] الثامنة:

جواز تصرف النساء في ما بهن حاجة إليه.

ثم قال البخاري رحمه الله: حدثنا زكرياء، ثنا أبو أسامة، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "قد أذن أن تخرجن في حاجتكن". قال هشام: يعني: البراز.

أما رجاله فسلف التعريف بهم.

وأما فقهه فخروجهن إلى البراز، ومثله ما بهن حاجة إليه، وقد أمرن بالخروج إلى العيدين كما سيأتي.

و(البراز) بفتح الباء كما سلف. قال الداودي: وقوله: "قد أذن أن تخرجن" دال على أنه لم يرد هنا حجاب البيوت، فإن ذلك وجه آخر. إنما أراد أن يستترن بالجلباب حتى لا يبدو منهن إلا العين.

قالت عائشة: كنا نتأذى بالكنف وكنا نخرج إلى المناصع.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث