الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة في القراءة الشاذة

جزء التالي صفحة
السابق

تنبيهان : [ التنبيه ] الأول :

إن الحامل لهم على نسبة أنها ليست بحجة للشافعي عدم إيجابه التتابع في صوم كفارة اليمين مع علمه بقراءة ابن مسعود ، وهو ممنوع ، فقد سبق من كلام إلكيا إبطال استنباطه منه ، وقد نص رحمه الله في مختصر البويطي " على أنها حجة في باب الرضاع ، وفي باب تحريم الجمع ، فقال : ذكر الله الرضاع بلا توقيت . وروت عائشة التوقيت بخمس ، وأخبرت أنه مما أنزل من القرآن ، وهو وإن لم يكن قرآنا فأقل حالاته أن يكون عن رسول [ ص: 223 ] الله صلى الله عليه وسلم ، لأن القرآن لا يأتي به غيره كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، { لأقضين بينكما بكتاب الله } ، فحكمنا به على هذا ، وليس هو قرآنا يقرأ ا هـ .

وظاهره أنه يعمل بها من جهة كونها خبرا لا قرآنا ، وجرى عليه جمهور الأصحاب منهم الشيخ أبو حامد والماوردي ، والروياني في الصيام والرضاع ، والقاضي أبو الطيب في الصيام ووجوب العمرة ، والقاضي الحسين في الصيام ، والمحاملي والرافعي في كتاب السرقة ، واحتجوا في إيجاب قطع اليمين من السارق بقراءة ابن مسعود " فاقطعوا أيمانهما " .

وقال الروياني في البحر " في كتاب الصلاة أنها تجري مجرى الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أو الأثر عن الصحابة ، نعم الشرط عند الشافعي في ذلك أن لا يخالف رسم المصحف ، ولا يوجد غيرها مما هو أقوى منها ، ولذلك لم يحتج بقراءة ابن عباس : " وعلى الذين يطيقونه فدية " مع أن مذهبه وجوب الفدية كما نص عليه في المختصر " .

قال شارحوه : إنما عدل الشافعي عن الاستدلال بهذه القراءة ، لأنها تشذ عن الجماعة ، وتخالف رسم المصحف .

قلت : أو لأنه رأى أنه لا استدلال بها مع وجود ما هو أقوى منها ، فإن الله تعالى كان قد خير أولا بين الصيام وبين الإفطار والفدية ، ثم ختم الصيام بقوله : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } وبقي من لم يطق على حكم الأصل في جواز الفطر ووجوب الفدية . ويخرج من كلام الشيخ أبي إسحاق الشيرازي شرط آخر ، فإنه قال في كتابه التذكرة في الخلاف " : القراءة الشاذة إنما تلحق بخبر الواحد إذا قرأها قارئها على أنه قرآن ، فإن ذكرها على أنها تفسير فلا ، كقراءة ابن عمر : " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها " وقراءة أبي بن كعب : " فعدة من أيام متتابعات " . ا هـ . [ ص: 224 ]

وفيما قاله في التفسير نظر على رأي من يجعله في حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وممن صرح بها من الأصوليين أبو بكر الصيرفي فقال في كتاب الدلائل والأعلام " : ما روي آحادا من آي القرآن كرواية ابن عمر آية الرجم وخبر عائشة في الرضاع وخبر زيد بن أرقم : { لو كان لابن آدم واديان من الذهب لابتغى لهما ثالثا } فإنها ثابتة الأسانيد صحيحة من جهة النقل . ونحن نثبت ما قالوا على ما قالوا غير متأولين عليهم ما لم يظهر لنا إلا أن لا نجد وجها غير التأويل ، وذلك لأن من القرآن ما نسخ رسمه وبقي حكمه ، وإنما تجب تلاوة المرسوم ، فأما ما بقي حكمه فلا تجب تلاوته .

والذي أجمع المسلمون عليه في الرسم هو الواجب تلاوته ، والذي لم يرسم يتلى وينقل حكمه إذ كان القرآن المتلو يوجب شيئين :

أحدهما : إثبات حكمه وتلاوته والقطع عليه بما يعمل به والتسمية بما سماه الناقل ، وليس يثبت المتلو بخبر الواحد ، وإذا كان خبر الواحد قد يخص ظاهر المتلو ويثبته تثبيت الأحكام كان أيضا كذلك ما أثبت حكمه من جهة الخبر أنه قرآن في الحكم لا في الرسم والتلاوة .

انتهى .

وقال الماوردي في موضع آخر : إن أضافها القارئ إلى التنزيل أو إلى سماع من النبي صلى الله عليه وسلم ، أجريت مجرى خبر الواحد ، وإلا فهي جارية مجرى التأويل . ا هـ . ويخرج من هذا التفصيل مذهب ثالث ، وبه صرح الباجي في المنتقى " فقال : القراءة الشاذة هل تجري مجرى خبر الواحد ؟ فيه ثلاثة أقوال : ثالثها : التفصيل بين أن تسند أم لا . ا هـ . [ ص: 225 ] ويخرج من كلام أبي الحسين في المعتمد " مذهب رابع ، فإنه قال في باب الأخبار : القرآن المنقول بالآحاد إما أن يظهر فيه الإعجاز أو لا ، فإن لم يظهر جاز أن يعمل بما تضمنه من عمل إذا نقل إلينا بالآحاد ، كقراءة ابن مسعود : " متتابعات " وإن ظهر فهو حجة للنبوة ، ولا يكون حجة إلا وقد علم أنه لم يعارض في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، مع سماع أهل عصره له ، ولا يعلم ذلك إلا وقد تواتر نقل ظهوره في ذلك العصر . وأطلق القاضي ابن العربي دعوى الإجماع على أنها لا توجب علما ولا عملا ، وليس كما قال . وجعل القرطبي شارح مسلم " محل الخلاف بين الحنفية وغيرهم فيما إذا لم يصرح الراوي بسماعها وقطع بعدم حجيتها .

قال : فأما لو صرح الراوي بسماعها من النبي صلى الله عليه وسلم ، فاختلفت المالكية في العمل بها على قولين ، والأولى الاحتجاج بها تنزيلا لها منزلة الخبر .

[ التنبيه ] الثاني

أن هاهنا سؤالا ، وهو أن يقال : إن كان مذهب الشافعي أنها حجة فهلا أوجب التتابع في صوم الكفارة اعتمادا على قراءة ابن مسعود " متتابعات " وهلا قال في الصلاة الوسطى : إنها صلاة العصر اعتمادا على قراءة عائشة : " وصلاة العصر " ؟ وإن كان مذهبه أنها ليست بحجة فكيف اعتمد في التحريم في الرضاع بخمس على حديث عائشة ؟ وكيف قال : إن الأقراء هي الأطهار ؟ واعتمد في الأم " على أنه عليه الصلاة والسلام قرأ : " لقبل عدتهن " والذي يفصل عن هذا الإشكال أن لا يطلق القول في ذلك ، بل يقال : لا يخلو إما أن تكون القراءة الشاذة وردت لبيان حكم أو لابتدائه ، [ ص: 226 ] فإن وردت لبيان حكم ، فهي عنده حجة ، كحديث عائشة في الرضاع وقراءة ابن مسعود : " أيمانهما " ، وقوله : " لقبل عدتهن " .

وإن وردت ابتداء حكم ، كقراءة ابن مسعود : " متتابعات " ، فليس بحجة إلا أنه قد قيل : إنها لم تثبت عن ابن مسعود ، ويدل له ما رواه الدارقطني بإسناد صحيح عن عائشة كان مما أنزل : " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " فسقطت " متتابعات " .

أو يقال : القراءة الشاذة إما أن ترد تفسيرا أو حكما ، فإن وردت تفسيرا فهي حجة كقراءة ابن مسعود : أيمانهما وقوله : وله أخ أو أخت من أم وقراءة عائشة : " والصلاة الوسطى صلاة العصر " ، وإن وردت حكما فلا يخلو إما أن يعارضها دليل آخر أم لا ، فإن عارضها فالعمل للدليل كقراءة ابن مسعود في صيام المتمتع : " فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات " ، فقد صح أنه عليه الصلاة والسلام قال : { إن شئت فتابع أو لا } ، وإن لم يعارضها دليل آخر فللشافعي قولان ، كوجوب التتابع في صوم الكفارة .

وأما تحرير مذهب أبي حنيفة فنقل إمام الحرمين وابن القشيري ، عنه أنه ينزلها منزلة خبر الواحد ، قال ابن القشيري : وهذا يناقض قوله : إن الزيادة في الحديث من بعض النقلة لا تقبل ، وقال أبو زيد الدبوسي في كتاب تقديم الأدلة " : لا تثبت القراءة بخبر الواحد ، ولهذا قالت الأئمة ، فيمن قرأ في صلاته بكلمات تفرد بها ابن مسعود : إن صلاته لا تجوز كما لو قرأ خبرا من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال : وإنما أخذنا بقراءة ابن مسعود : " متتابعات " لإيجاب التتابع في الكفارة ، فأخذنا بها عملا كما لو روى خبرا [ ص: 227 ] عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه إنما قرأها ناقلا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما لم يثبت قرآنا لفوات شرطه بقي خبرا ، فإن قيل : ينبغي أن يفعلوا كذلك في البسملة ليجب الجهر بها في الصلاة ، وحرمة قراءتها على الجنب والحائض الذي هو حكم القرآن .

قلنا : لأنا لو فعلنا ذلك لم يكن حكما بظاهر ما توجبه التسمية ، بل كان عملا بمقتضى أنها من الفاتحة ، ولا عموم للمقتضى عندنا ، وإنما لا يعمل فيما لا بد منه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث