الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ادعاء يهود خيبر إسقاط الجزية عنهم ورد ذلك

[ ص: 91 ] [ ادعاء يهود خيبر إسقاط الجزية عنهم ورد ذلك ]

وهذه الشبهة هي التي أوقعت عند اليهود أن أهل خيبر لا جزية عليهم ، وأنهم مخصوصون بذلك من جملة اليهود ، ثم أكدوا أمرها بأن زوروا كتابا فيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسقط عنهم الكلف والسخر والجزية ووضعوا فيه شهادة سعد بن معاذ ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهما ، وهذا الكتاب كذب مختلق بإجماع أهل العلم من عشرة أوجه :

منها : أن أحدا من علماء النقل والسير والمغازي لم يذكر أن ذلك وقع ألبتة مع عنايتهم بضبط ما هو دون ذلك بكثير .

الثاني : أن الجزية إنما نزلت بعد فتح خيبر فحين صالح أهل خيبر لم تكن الجزية نزلت حتى يضعها عنهم .

الثالث : أن معاوية بن أبي سفيان لم يكن أسلم بعد فإنه إنما أسلم عام الفتح بعد خيبر .

الرابع : أن سعد بن معاذ توفي عام الخندق قبل فتح خيبر .

الخامس : أنه لم يكن في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أهل خيبر كلف ولا سخر حتى توضع عنهم .

السادس : أنه لم يكن لأهل خيبر من الحرمة ورعاية حقوق المسلمين ما يقتضي وضع الجزية عنهم ، وقد كانوا من أشد الكفار عداوة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فأي خير حصل بهم للمسلمين حتى توضع عنهم الجزية دون سائر الكفار ؟

[ ص: 92 ] السابع : أن الكتاب الذي أظهروه ادعوا أنه بخط علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وهذا كذب قطعا وعداوة علي رضي الله عنه لليهود معروفة ، وهو الذي قتل " مرحبا " اليهودي وأثخن في اليهود يوم خيبر حتى كان الفتح على يديه .

[ ص: 93 ] الثامن : أن هذا لا يعرف إلا من رواية اليهود وهم القوم البهت ، أكذب الخلق على الله وأنبيائه ورسله ، فكيف يصدقون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يخالف كتاب الله تعالى ؟ !

التاسع : أن هذا الكتاب لو كان صحيحا لأظهروه في أيام الخلفاء الراشدين وفي أيام عمر بن عبد العزيز ، وفي أيام المنصور والرشيد ، وكان أئمة الإسلام يستثنونهم ممن توضع عنهم الجزية أو لذكر ذلك فقيه واحد من فقهاء المسلمين ، ولا يجوز على الأمة أن تجمع على مخالفة سنة نبيها ، وكيف يكون بأيدي أعداء الله كتاب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يحتجون به كل وقت على من يأخذ الجزية منهم ، ولا يذكره عالم واحد من علماء السلف ؟ وإن اغتر به بعض من لا علم له بالسيرة والمنقول من المتأخرين ، شنع عليه أصحابه وبينوا خطأه وحذروا من سقطته .

العاشر : أن أئمة الحديث والنقل يشهدون ببطلان هذا الكتاب ، [ ص: 94 ] وأنه زور مفتعل وكذب مختلق ، ولما أظهره اليهود بعد الأربع مائة على عهد الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي أرسل إليه الوزير ابن المسلمة فأوقفه عليه فقال الحافظ : هذا الكتاب زور فقال له الوزير : من أين هذا ؟ فقال : فيه شهادة سعد بن معاذ ومعاوية بن أبي سفيان وسعد مات يوم الخندق قبل خيبر ، ومعاوية أسلم يوم الفتح سنة ثمان ، وخيبر كانت سنة سبع . فأعجب ذلك الوزير .

والمقصود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأخذ الجزية من أحد من [ ص: 95 ] مشركي العرب لأن آية الجزية نزلت بعد عام تبوك ، وكانت عباد الأصنام من العرب كلهم قد دخلوا في الإسلام فأخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - ممن لم يدخل في الإسلام من اليهود ومن النصارى ومن المجوس .

قال المخصصون بالجزية لأهل الكتاب : المراد من إرسال الرسل وإنزال الكتب إعدام الكفر والشرك من الأرض وأن يكون الدين كله لله كما قال تعالى : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ، وفي الآية الأخرى : ويكون الدين كله لله ، ومقتضى هذا ألا يقر كافر على كفره ، ولكن جاء النص بإقرار أهل الكتاب إذا أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، فاقتصرنا بها عليهم وأخذنا في عموم الكفار بالنصوص الدالة على قتالهم إلى أن يكون الدين كله لله .

قالوا : ولا يصح إلحاق عبدة الأوثان بأهل الكتاب ; لأن كفر المشركين أغلظ من كفر أهل الكتاب ، فإن أهل الكتاب معهم من التوحيد وبعض آثار الأنبياء ما ليس مع عباد الأصنام ، ويؤمنون بالمعاد والجزاء والنبوات بخلاف عبدة الأصنام .

وعبدة الأصنام حرب لجميع الرسل وأممهم من عهد نوح إلى خاتم الأنبياء والمرسلين ; ولهذا أثر هذا التفاوت الذي بين الفريقين في حل الذبائح وجواز المناكحة من أهل الكتاب دون عباد الأصنام ، ولا ينتقض هذا بالمجوس فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يسن بهم سنة أهل الكتاب وهذا يدل على أن الجزية إنما تؤخذ من أهل الكتاب وأنها إنما [ ص: 96 ] وضعت لأجلهم خاصة وإلا لو كانت الجزية تعم جميع الكفار لم يكن أهل الكتاب أولى بها من غيرهم ، ولقال : لهم حكم أمثالهم من الكفار يقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية .

وأما تحريم ذبائحهم ومناكحتهم فاتفاق من الصحابة رضي الله عنهم ، ولهذا أنكر الإمام أحمد وغيره على أبي ثور طرده القياس وإفتاءه بحل ذبائحهم وجواز مناكحتهم ودعا عليه أحمد حيث أقدم على مخالفة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة كانوا أفقه وأعلم وأسد قياسا ورأيا فإنهم أخذوا في الدماء بحقنها موافقة لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعله ، حيث أخذها منهم وأخذوا في الأبضاع والذبائح بتحريمها احتياطا وإبقاء لها على الأصل ، وإلحاقا لهم بعباد الأوثان إذ لا فرق في ذلك بين عباد الأوثان وعباد النيران ، فالأصل في الدماء حقنها وفي الأبضاع والذبائح تحريمها فأبقوا كل شيء على أصله ، وهذا غاية الفقه وأسد ما يكون من النظر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث