الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم

فالأول في بسم الله الرحمن الرحيم وما فيه من معنى الضمير، فإن فيه ضمير فعل لا يستغني الكلام عنه، لأن الباء من سائر حروف الجر لا بد أن يتصل بفعل، إما مظهر مذكور، وإما مضمر محذوف.

والمضمر في هذا الموضع إما أن يكون خبرا أو أمرا.

فإذا كان خبرا فمعناه: ابدأ بسم الله، ودل الكلام على هذا الضمير لأن القارئ مبتدئ، والحال المشاهدة منبئة عنه، ومغنية عن ذكره..

ومعنى الأمر: ابدءوا بسم الله.

ودل على الأمر قوله تعالى في موضع آخر: اقرأ باسم ربك ، [ ص: 4 ] ويحتمل أن يكون أرادهما بالضمير، لأن الضمير يحتملهما، ولو صرح بأحدهما امتنعت إرادة الآخر.

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" ، فإن الحكم لما تعلق بضمير يحتمل رفع الحكم رأسا ، ويحتمل المأثم فلا تبعد إرادتهما، ولو صرح بأحدهما ولم يجز إرادة الثاني..

وقد يجيء من الضمير المحتمل للأمرين، ما لا يصح إرادتهما جميعا معا، فيلحق ذلك بقسم المجمل، كقوله: "الأعمال بالنيات" ، وحكمه متعلق بضمير يحتمل جواز العمل، ويحتمل فضيلته، وإرادة الجواز تنفي إرادة الفضيلة، وإرادة الفضيلة تقتضي إثبات حكم شيء منه لا محالة، مع إلحاق النقصان فيه ونفي الفضيلة عنه، ويستحيل إرادة نفي الفضيلة والأصل جميعا في حالة واحدة، وليس احتمال الضمير للأمرين موجبا عموما من حيث الصيغة، ولكنه يحتمل إرادتهما، فإن معنى العموم: اشتمال اللفظ على معنيين من جهة واحدة، وليس مجملا أيضا فإن إرادة الكل جائزة.

والفوائد التي ينتظمها قوله: "بسم الله" ..

الأمر باستفتاح الأمور بها تبركا بذلك.

وذكرها على الذبيحة. [ ص: 5 ] وشعار من شعائر الدين.

وطرد الشيطان، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا سمى العبد الله تعالى على طعامه لم ينل منه الشيطان، فإذا لم يسمه نال منه معه" ..

وفيه إظهار مخالفة المشركين الذين يفتتحون أمورهم بذكر الأصنام أو غيرها من المخلوقين ...

وهو مفزع الخائف.

ودلالة من قائله على انقطاعه إلى الله.

وأنس للسامع.

وإقرار بالألوهية.

واعتراف بالنعمة.

واستغاثة بالله.

وعبادة له .

وفيه اسمان من أسماء الله تعالى لا يسمى بهما غيره: وهو الله والرحمن، وهو أشهر أسماء الله تعالى، الذي ينسب إليه كل اسم، فيقال: الرؤوف والكريم من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الكريم.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث