الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الثاني اختيار الأمثل فالأمثل

[ ص: 23 ] اختيار الأمثل فالأمثل

إذا عرف هذا ، فليس أن يستعمل إلا أصلح الموجود ، وقد لا يكون في موجوده ، من هو صالح لتلك الولاية ، فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب يحسبه ، وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام ، وأخذه للولاية بحقها ، فقد أدى الأمانة ، وقام بالواجب في هذا ، وصار في هذا الموضع من أئمة العدل والمقسطين عند الله ، وإن اختل بعض الأمور بسبب من غيره ، إذا لم يمكن إلا ذلك ، فإن الله يقول : { فاتقوا الله ما استطعتم } ويقول : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } .

وقال في الجهاد : { فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين } .

وقال : { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } فمن أدى الواجب المقدور عليه فقد اهتدى : وقال النبي صلى الله عليه وسلم : { إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم } [ ص: 24 ] أخرجاه في الصحيحين ، لكن إذا كان منه عجز ولا حاجة إليه ، أو خيانة عوقب على ذلك

وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب ، فإن الولاية لها ركنان : القوة والأمانة ، كما قال تعالى : { إن خير من استأجرت القوي الأمين } وقال صاحب مصر ليوسف عليه السلام : { إنك اليوم لدينا مكين أمين } وقال تعالى في صفة جبريل : { إنه لقول رسول كريم . ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين } .

والقوة في كل ولاية بحسبها ، فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب ، وإلى الخبرة بالحروب ، والمخادعة فيها ، فإن الحرب خدعة ، وإلى القدرة على أنواع القتال : من رمي وطعن وضرب ، وركوب وكر وفر ، ونحو ذلك ، كما قال تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل } وقال النبي صلى الله عليه وسلم : { ارموا واركبوا ، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا ، ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا }

وفي رواية : { فهي نعمة جحدها } [ ص: 25 ] رواه مسلم والقوة في الحكم بين الناس ، ترجع إلى العدل الذي دل عليه الكتاب والسنة ، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام .

والأمانة ترجع إلى خشية الله ، وألا يشتري بآياته ثمنا قليلا ، وترك خشية الناس ، وهذه الخصال الثلاث التي اتخذها الله على كل حكم على الناس ، في قوله تعالى : { فلا تخشوهم واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } ، { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : { القضاة ثلاثة : قاضيان في النار ، وقاض في الجنة ، فرجل علم الحق وقضى بخلافه ، فهو في النار ، ورجل قضى بين الناس على جهل ، فهو في النار ، ورجل علم الحق [ ص: 26 ] وقضى به ، فهو في الجنة } رواه أهل السنن

والقاضي اسم لكل من قضى بين اثنين وحكم بينهما ، سواء كان خليفة أو سلطانا ، أو نائبا ، أو واليا ، أو كان منصوبا ليقضي بالشرع ، أو نائبا له ، حتى يحكم بين الصبيان في الخطوط ، إذا تخايروا ، هكذا ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهو ظاهر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث