الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أبو بكر الصديق ينحل عائشة عشرين وسقا من ماله بالغابة

جزء التالي صفحة
السابق

1474 1444 - عن عائشة أنها قالت : إن أبا بكر الصديق نحلها جاد عشرين وسقا من ماله بالغابة ، فلما حضرته الوفاة ، قال : والله يا ابنتي ما من الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك ، ولا أعز علي فقرا بعدي منك ، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقا فلو كنت جددتيه ، واحتزتيه كان لك ، وإنما هو [ ص: 294 ] اليوم مال وارث وإنما هما أخواك ، وأختاك ، فاقتسموه على كتاب الله عز وجل .

قالت عائشة : فقلت : يا أبت ! والله لو كان كذا وكذا لتركته ، إنما هي أسماء ، فمن الأخرى ؟ قال أبو بكر : ذو بطن بنت خارجة أراها جارية .

التالي السابق


32866 - قال أبو عمر : في حديث عائشة هذا أن من شرط صحة الهبة قبض الموهوب لها قبل موت الواهب قبل المرض الذي يكون منه موته ، وسنذكر ما للفقهاء في معنى قبض الهبة وحيازتها بعد في هذا الباب عند قول عمر : ما بال رجال ينحلون أبناءهم نحلا ، ثم يمسكونها . . . الحديث .

32867 - وفي حديث عائشة هذا جواز الهبة المجهول عينها إذا علم [ ص: 295 ] مبلغها ، وجواز هبة المشاع أيضا .

32868 - وفيه : أن الغنى أحب إلى الفضلاء من الفقر .

32869 - وأما إعطاء الرجل بعض ولده دون بعض ، وتفضيل بعضهم على بعض ، فقد ذكرنا ذلك .

32870 - قال الشافعي : ترك التفضيل في عطية الأبناء فيه حسن الأدب ، ويجوز له ذلك في الحكم .

32871 - قال : وله أن يرجع فيما وهب لابنه ; لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : فارجعه .

32872 - قال أبو عمر : روي عن جابر بن زيد أبي الشعثاء أنه كان يقول في التفضيل بين الأبناء في النحل : يجوزه في الحكم ويقضي به .

32873 - وقال طاوس : لا يجوز وإن كان رغيفا محترقا .

32874 - وبه قال بعض أهل الظاهر .

32875 - واستدل الشافعي بأن هذا الحديث على الندب ، بنحو ما استدل به مالك من عطية أبي بكر عائشة دون سائر ولده .

32876 - وبما ذكرناه من رواية داود وغيره عن الشعبي ، عن النعمان بن بشير ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أيسرك أن يكونوا لك في البر كلهم سواء ؟ قال : نعم ، قال : فأشهد على هذا غيري .

[ ص: 296 ] 32877 - قال : وهذا يدل على صحة الهبة; لأنه لم يأمره بردها وأمره بتأكيدها بإشهاد غيره عليها ، ولم يشهد هو عليها لتقصيره عن أولى الأشياء به ، وترك الأفضل له .

32878 - وقال الثوري : لا بأس أن يخص الرجل بعض ولده بما شاء .

32879 - وقد روي عن الثوري أنه كره أن القضاء أن يفضل الرجل بعض ولده على بعض في العطية .

32880 - وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : من أعطى بعض ولده دون بعض كرهنا ذلك له ، وأمضيناه عليه .

32881 - وقد كره عبد الله بن المبارك ، وأحمد بن حنبل أن يفضل بعض ولده على بعض .

32882 - وكان إسحاق يقول مثل هذا ، ثم رجع إلى قول الشافعي .

32883 - وكل هؤلاء يقولون إن فعل هذا أحد نفذ ، ولم يرد .

32884 - ولم يختلف في ذلك عن أحمد .

32885 - وأصح شيء عنه في ذلك ما ذكره الخرقي في مختصره عنه قال : فإذا فاضل بين ولده في العطية أمر برده ، كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإن مات ، ولم يردده ، فقد ثبت لمن وهب له إذا كان ذلك في صحته .

32886 - وأما قوله في حديث مالك : أكل ولدك نحلته مثل ذلك ؟

[ ص: 297 ] فإن العلماء مجمعون على استحباب التسوية في العطية بين الأبناء إلا ما ذكرنا عن أهل الظاهر من إيجاب ذلك .

32887 - إلا أن الفقهاء في استحبابهم للتسوية بين الأبناء في العطية اختلفوا في كيفية التسوية بينهم في العطية :

32888 - فقال منهم قائلون : التسوية بينهم أن يعطي الذكر مثل ما يعطي الأنثى ، وممن قال ذلك سفيان الثوري ، وابن المبارك .

32889 - قال ابن المبارك : ألا ترى أن الحديث يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : سووا بين أولادكم ، فلو كنت مؤثرا أحدا أثرت النساء على الرجال .

32890 - وبه قال داود وأهل الظاهر .

32891 - وقال آخرون : التسوية أن يعطى الرجل مثل حظ الأنثيين ، قياسا على قسم الله تعالى الميراث بينهم ، ومن قال ذلك عطاء بن أبي رباح .

32892 - وهو قول محمد بن الحسن ، وإليه ذهب أحمد ، وإسحاق .

32893 - ولا أحفظ لمالك في هذه المسألة قولا .

32894 - وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث مالك في هذا الباب : فارجعه ففيه دليل على أن للأب أن يرجع فيما وهب لابنه ، فقد اختلف العلماء أيضا في هذا المعنى .

32895 - فذهب مالك ، وأكثر أهل المدينة إلى أن للأب أن يعتصر ما وهب لابنه .

32896 - ومعنى الاعتصار عندهم الرجوع في الهبة .

[ ص: 298 ] 32897 - وليس ذلك عندهم لغير الأب ، إلا أن الأم عندهم إذا وهبت لابنها شيئا ، وهم أيتام لم ترجع في هبتها ; لأنها في معنى الصدقة حينئذ ، وإن لم يكونوا أيتاما ، وكان أبوهم حيا كان لها أن ترجع فيما وهبته لولدها .

32898 - هذا هو الأشهر عن مالك ، وقد روي عنه أنها لا ترجع أصلا .

32899 - ولم يختلف عن مالك أن الجد لا يرجع فيما وهب لابن ابنه .

32900 - وكذلك لم يختلف قول مالك ، وأصحابه أن الولد إذا وهب له أبوه هبة ، ثم استحدث الولد دينا داينه الناس عليه من أجل الهبة ، أو نكح ، لم يكن للأب - حينئذ - الرجوع في شيء من هبته لولده .

32901 - وهذا كله في الهبة .

32902 - فأما الصدقة ، فإنه لا رجوع فيها للأب ، ولا لغير الأب بحال من الأحوال ; لأن الصدقة إنما يراد بها وجه الله تعالى ، وما أريد به وجه الله لم يجز الاعتصار والرجوع فيه ، وسنذكر ما لسائر العلماء من المذاهب في الرجوع في الهبة في باب الاعتصار في الهبة - إن شاء الله تعالى ، أولى المواضع بذلك .

32903 - وإنما ذكرنا هنا قول مالك ; لما ارتبط به من معنى الحديث المسند .

32904 - وأما قول أبي بكر في حديث عائشة هذا : إنما هما أخواك وأختاك ، فقالت له عائشة : إنما هي أسماء ، فمن الأخرى ؟ فأجابها أبو بكر ، وقال : إن ذا بطن بنت خارجة أراها جارية ، فهذا منه - رضي الله عنه - ظن لم يخطئه ، فكانت ذو بطن بنت خارجة جارية أتت بعده ، فسميت أم كلثوم .

32905 - وأما بنت خارجة ، فهي زوجته ، واسمها حبيبة بنت خارجة بن زيد [ ص: 299 ] بن أبي زهير الذي آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين أبي بكر إذ قدم المدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآخى بين المهاجرين والأنصار وكان قول أبي بكر ظنا كاليقين .

32906 - والعرب تقول : ظن الحليم مهابة .

32907 - وتقول أيضا : من لم ينتفع بظنه ، لم ينتفع بيقينه .

32908 - وتقول أيضا : الظن مفتاح اليقين .

32909 - وقال أوس بن حجر : الألمعي الذي يظن لك الظن كأن قد رأى وقد سمعا .

32910 - وروي ذلك عن عثمان ، وعلي - رضي الله عنهما -

32911 - ومما يمدح به الظن قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يموتن أحدكم إلا وهو حسن الظن بالله عز وجل .

[ ص: 300 ] 32912 - وقال - صلى الله عليه وسلم - حاكيا عن الله تعالى : أنا عند ظن عبدي بي ، فليظن بي ما يشاء .

32913 - وقال الحسن البصري في أن المؤمن أحسن الظن ، فأحسن العمل .

32914 - قال أبو عمر : وأما ظن الفاسق ، والكافر ، والمنافق فمذموم غير ممدوح .

32915 - قال الله تعالى فيهم : وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا [ الفتح : 12 ] .

32916 - وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تجسسوا ، ولا تحسسوا .

[ ص: 301 ] 32917 - قال الله تبارك وتعالى : وإن الظن لا يغني من الحق شيئا [ النجم : 28 ] .

32918 - فقد ذكرنا في كتاب النساء من كتاب الصحابة بنت خارجة المذكورة وابنتها بما يجب من ذكرهما هناك ، والحمد لله كثيرا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث