الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فضيلة الصدق ودرجاته

قال الله - تعالى - : ( رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) [ الأحزاب : 23 ] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا ، وإن الكذب يهدي إلى الفجور ، والفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا " .

والصدق درجات :

الأولى صدق اللسان : وحق على كل عبد أن يحفظ ألفاظه فلا يتكلم إلا بالصدق . وكمال صدق القول الاحتراز عن المعاريض ، فقد قيل : " في المعاريض مندوحة عن الكذب " وذلك لأنها تقوم مقام الكذب إلا أن ذلك مما تمس إليه الحاجة ، وتقتضيه المصلحة في بعض الأحوال ، وفي تأديب الصبيان والنسوان ومن يجري مجراهم ، وفي الحذر عن الظلمة ، وفي قتال الأعداء والاحتراز عن اطلاعهم على الأسرار . فمن اضطر إلى شيء من ذلك فصدقه فيه أن يكون نطقه فيه لله فيما يأمره الحق به ويقتضيه الدين ، فإذا نطق به فهو صادق ، وإن كان كلامه مفهما غير ما هو عليه ؛ لأن الصدق ما أريد لذاته بل للدلالة على الحق والدعاء إليه ، فلا ينظر إلى صورته بل إلى معناه . نعم في مثل هذا الموضع ينبغي أن يعدل إلى المعاريض ما وجد إليه سبيلا ، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا توجه إلى سفر ورى بغيره ، وذلك كي لا ينتهي الخبر إلى الأعداء فيقصد ، وليس هذا من الكذب في شيء . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا أو أنمى خيرا " .

ورخص في النطق على وفق المصلحة في ثلاثة مواضع : من أصلح بين اثنين ، ومن كان له زوجتان ، ومن كان في مصالح الحرب ، والصدق ههنا يتحول إلى النية فلا يراعى فيه إلا صدق النية وإرادة الخير ، فمهما صح قصده وصدقت [ ص: 303 ] نيته وتجردت للخير إرادته صار صادقا وصديقا كيفما كان لفظه ، ثم التعريض فيه أولى ، وطريقه ما حكي عن بعضهم أنه كان يطلبه بعض الظلمة وهو في داره فقال لزوجته : خطي بأصبعك دائرة وضعي الأصبع على الدائرة وقولي : ليس هو ههنا ، واحترز بذلك عن الكذب ودفع الظالم عن نفسه ، فكان قوله صدقا ، وأفهم الظالم أنه ليس في الدار ، وهذا الذي ذكرناه من الاحتراز عن صريح اللفظ وعن المعاريض إلا عند الضرورة هو الكمال الأول في صدق الأول .

وهناك كمال ثان وهو أن يراعي معنى الصدق في ألفاظه التي يناجي بها ربه كقوله : ( وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ) [ الأنعام : 79 ] . فإن قلبه إن كان منصرفا عن الله - تعالى - مشغولا بأماني الدنيا وشهواته فهو كذب ، وكقوله : ( إياك نعبد ) [ الفاتحة : 5 ] وكقوله : "أنا عبد الله " فإنه إذا لم يتصف بحقيقة العبودية وكان له مطلب سوى الله لم يكن كلامه صدقا ، ولو طولب يوم القيامة بالصدق في قوله : أنا عبد الله ، لعجز عن تحقيقه ، فإنه إن كان عبدا لنفسه أو عبدا لدنيا أو عبدا لشهواته لم يكن صادقا في قوله ، وكل ما تقيد العبد به فهو عبد له .

كما قال - صلى الله عليه وسلم - : " تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم وعبد الخميصة " سمى كل من تقيد قلبه بشيء عبدا له ، وإنما العبد الحق لله - عز وجل - من أعتق من غير الله - تعالى - واشتغل بالله وبمحبته ، وتقيد ظاهره وباطنه بطاعته فلا يكون له مراد إلا الله تعالى .

الدرجة الثانية : الصدق في النية والإرادة : ويرجع ذلك إلى الإخلاص ، وهو أن لا يكون له باعث في الحركات والسكنات إلا الله - تعالى - فإن مازجه شوب من حظوظ النفس بطل صدق النية .

الثالثة صدق العزم : وهو الجزم فيه بقوة ، والصادق فيه هو الذي تصادف عزيمته في الخيرات كلها قوة تامة ليس فيها ميل ولا ضعف ولا تردد ، بل تسخو أبدا بالعزم المصمم الجازم على الخيرات ، كمن يقول : "إن رزقني الله مالا تصدقت بشطره ، وإن أعطاني الله ولاية عدلت فيها ولم أعص الله - تعالى - بظلم وميل إلى خلق " فصدق هذه العزيمة هو سخاء نفسه بما نوى .

الرابعة في الوفاء بالعزم : فإن النفس قد تسخو بالعزم في الحال إذ لا مشقة في الوعد والعزم ، والمؤونة فيه خفيفة ، فإذا حقت الحقائق وحصل التمكن وهاجت الشهوات انحلت العزيمة وغلبت الشهوات ولم يتفق الوفاء بالعزم ، وهذا يضاد الصدق فيه ، ولذلك قال الله - تعالى - : ( رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) [ الأحزاب : 23 ] فقد روي عن " أنس " أن عمه " أنس بن النضر " لم يشهد بدرا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشق ذلك على قلبه وقال : "أول مشهد [ ص: 304 ] شهده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غبت عنه ؟ أما والله لئن أراني الله مشهدا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليرين الله ما أصنع " قال : فشهد أحدا في العام القابل فاستقبله " سعد بن معاذ " فقال : "إلى أين " ؟ فقال : "واها لريح الجنة إني أجد ريحها دون أحد " فقاتل حتى قتل ، فوجد في جسده بضع وثمانون ما بين رمية وضربة وطعنة ، فقالت أخته : ما عرفت أخي إلا بثيابه ، فنزلت هذه الآية : ( رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) .

وقال " مجاهد " : "رجلان خرجا على ملأ من الناس قعود " فقالا : إن رزقنا الله - تعالى - مالا لنصدقن ، فبخلوا به فنزلت : ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ) [ التوبة : 75 - 77 ] فجعل العزم عهدا ، وجعل الخلف فيه كذبا والوفاء به صدقا .

الخامسة الصدق في الأعمال : وهو أن يجتهد حتى لا تدل أعماله الظاهرة على أمر في باطنه لا يتصف هو به ، فمن وقف على هيئة الخشوع في صلاته ليرائي غيره ، ولكنه في الباطن قائم في السوق بين يدي شهوة من شهواته ؛ فهو كاذب بلسان الحال في عمله غير صادق فيه ، فالصدق فيه هو استواء السريرة والعلانية بأن يكون باطنه مثل ظاهره أو خيرا من ظاهره .


إذا السر والإعلان في المؤمن استوى فقد عز في الدارين واستوجب الثنا     فإن خالف الإعلان سرا فما له
على سعيه فضل سوى الكذب والعنا

ثم درجات الصدق لا نهاية لها ، وقد يكون للعبد صدق في بعض الأمور دون بعض ، فإن كان صادقا في الجميع فهو الصديق حقا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث