الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

صلى على الجنازة جماعة ثم طائفة أخرى فأراد من صلى أولا أن يصلي ثانيا

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( إذا صلي على الميت بودر بدفنه ، ولا ينتظر حضور من يصلي عليه إلا الولي فإنه ينتظر إذا لم يخش على الميت التغير ، فإن خيف عليه التغير لم ينتظر ، وإن حضر من لم يصل عليه صلى عليه ، وإن حضر من صلى مرة فهل يعيد الصلاة مع من يصلي ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) : يستحب ; كما يستحب في سائر الصلوات أن يعيدها مع من يصلي جماعة ( والثاني ) : وهو صحيح لا يعيد ، ; لأنه يصليها نافلة ، وصلاة الجنازة لا ينتقل بمثلها ، وإن حضر من لم يصل بعد الدفن صلى على القبر لما روي { أن مسكينة ماتت ليلا فدفنوها ولم يوقظوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد على قبرها } وإلى أي وقت تجوز الصلاة على القبر ؟ فيه أربعة أوجه : ( أحدها ) : إلى شهر ; لأن { النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أم [ ص: 205 ] سعد بن عبادة رضي الله عنهما بعد ما دفنت بشهر } ( والثاني ) : يصلى عليه ما لم يبل ; لأنه إذا بلي لم يبق ما يصلي عليه ( والثالث ) : يصلي عليه ، من كان من أهل الفرض عند موته ، ; لأنه كان من أهل الخطاب بالصلاة عليه ، وأما من يولد بعد موته أو بلغ بعد موته فلا يصلي عليه ; لأنه لم يكن من أهل الخطاب بالصلاة عليه ( والرابع ) يصلي عليه أبدا ; لأن القصد من الصلاة على الميت الدعاء ، والدعاء يجوز كل وقت ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث المسكينة صحيح رواه النسائي والبيهقي وغيرهما بإسناد صحيح من رواية أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف ، وهو صحابي ، وفي رواية البيهقي عن أبي أمامة رضي الله عنه أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخبر به ، وهو صحيح فإن الصحابة كلهم عدول ، وهذه المسكينة يقال لها : أم محجن - بكسر الميم - ( وأما ) حديث أم سعد فرواه الترمذي والبيهقي بإسنادهما عن ابن المسيب رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { صلى على أم سعد بعد موتها بشهر } قال البيهقي ، وهذا مرسل صحيح ، قال : وروي عن ابن عباس موصولا قال " صلى عليها بعد شهر " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم غائبا حين موتها ، قال : والمرسل أصح ، ومرسل ابن المسيب كما سبق بيانه في أول الشرح ، وهل هو حجة لمجرده ؟ أم إذا اعتضد بأحد الأمور الأربعة السابقة ؟ فيه وجهان سبقا هناك . أما أحكام الفصل ففيه مسائل : ( إحداها ) : إذا صلي عليه فالسنة أن يبادر بدفنه ، ولا ينتظر به حضور أحد إلا الولي فإنه ينتظر ما لم يخش عليه التغير ، فإن خيف تغيره لم ينتظر ; لأن مراعاة صيانة الميت أهم من حضور الولي ، ثم أنه إنما ينتظر الولي إذا كان بينه وبينه مسافة قريبة .



( الثانية ) إذا حضر بعد الصلاة عليه إنسان لم يكن صلى عليه أو جماعة صلوا عليه ، وكانت صلاتهم فرض كفاية بلا خلاف عندنا ، وقال أبو حنيفة : لا تصلي عليه طائفة ثانية ; لأنه لا يتنفل بصلاة الجنازة فلا تصليها طائفة بعد طائفة . [ ص: 206 ] واحتج أصحابنا بحديث المسكينة وهو صحيح كما سبق ، وبحديث أبي هريرة { أن امرأة سوداء أو رجلا كان يقم المسجد ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عنه فقالوا : مات فقال : أفلا آذنتموني به ؟ دلوني على قبره فدلوه فصلى عليه } رواه البخاري ومسلم وعن ابن عباس رضي الله عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر منبوذ } رواه البخاري ومسلم وفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة ، ومعلوم أن هؤلاء ما دفنوا إلا بعد صلاة طائفة عليهم بحيث سقط الحرج بصلاتهم وإلا فلا يجوز أن يظن دفنهم قبل الصلاة . والجواب عن احتجاجهم بأن صلاة الثانية نافلة من وجهين ( أحدهما ) : منعه ، بل هي عندنا فرض كفاية كما سبق ، وسنذكر دليله واضحا في المسألة الثالثة إن شاء الله تعالى ( والثاني ) : أنه ينتقض بصلاة النساء مع الرجال على الجنازة ، فإنها نافلة في حقهن ; لأنهن لا يدخلن في الفرض إذا حضر الرجال واقتصر صاحب الحاوي على هذا الجواب الثاني ( فإن ) قيل : كيف تقع صلاة الطائفة الثانية فرضا ، ولو تركوها لم يأثموا ، وليس هذا شأن الفروض ؟ ( فالجواب ) أنه قد يكون ابتداء الشيء ليس بفرض فإذا دخل فيه صار فرضا ، كما إذا دخل في حج التطوع . وكما في الواجب على التخيير كخصال الكفارة ولو أن الطائفة الأولى لو كانت ألفا أو ألوفا وقعت صلاتهم جميعهم فرضا بالاتفاق ومعلوم أن الفرض كان يسقط ببعضهم ، ولا يقول أحد : أن الفرض سقط " بأربعة منهم على الإبهام والباقون متنفلون .

( فإن ) قيل : قد وقع في كلام كثير من الأصحاب أن فرض الكفاية إذا فعله من تحصل به الكفاية سقط الفرض عن الباقين ، وإذا سقط عنهم كيف قلتم ؟ ، تقع صلاة الطائفة فرضا ؟ ( فالجواب ) أن عبارة المحققين : سقط الحرج عن الباقين أي : لا حرج عليهم في ترك هذا الفعل فلو فعلوه وقع فرضا كما لو فعلوه مع الأولين دفعة واحدة .

( وأما ) عبارة من يقول سقط الفرض عن الباقين فمعناها سقط حرج الفرض وإثمه والله أعلم .



( الثالثة ) : إذا صلى على الجنازة جماعة أو واحد ، ثم صلت عليها طائفة أخرى فأراد من صلى أولا أن يصلي ثانيا مع الطائفة الثانية ، ففيه أربعة [ ص: 207 ] أوجه : ، أصحها : باتفاق الأصحاب لا يستحب له الإعادة ، بل المستحب تركها ( والثاني ) : يستحب الإعادة . ، وهذان الوجهان ذكرهما المصنف بدليليهما ، وذكرهما هكذا أيضا أكثر الأصحاب ( الثالث ) : يكره الإعادة وبه قطع الفوراني وصاحب العدة وغيرهما .

( والرابع ) حكاه البغوي إن صلى أولا منفردا أعاد ، وإن صلى جماعة فلا ( والصحيح ) : الأول ، صححه الأصحاب في جميع الطرق وقطع به صاحب الحاوي والقاضي حسين وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم . وادعى إمام الحرمين في النهاية اتفاق ، الأصحاب عليه ، فعلى هذا لو صلى ثانيا صحت صلاته ، وإن كانت غير مستحبة ، هذا هو المشهور في كتب الأصحاب . وقال إمام الحرمين : ظاهر كلام الأصحاب أنها صحيحة . قال : وعندي في بطلانها احتمال والمذهب صحتها ، فعلى هذا قال المصنف والجمهور : تقع نفلا . وقال القاضي حسين إذا صلى تقع صلاته الثانية فرض ، كفاية ولا تكون نفلا كما لو صلت جماعة بعد جماعة فصلاة الجميع تقع فرضا ، قال صاحب التتمة تنوي الطائفة بصلاتهم الفرض ; لأن فعل غيرهم أسقط عنهم الحرج لا الفرض ، وبسط إمام الحرمين رحمه الله هذا بسطا حسنا فقال " إذا صلى على الميت جمع يقع الاكتفاء ببعضهم " فالذي ذهب إليه الأئمة أن صلاة كل واحدة تقع فريضة ، وليس بعضهم بأولى بوصفه بالقيام بالغرض من بعضهم ، فوجب الحكم بالفريضة للجميع ، قال : ويحتمل أن يقال هو كإيصال المتوضئ الماء إلى جميع رأسه دفعة ، وقد اختلفوا في أن الجميع فرض ؟ أم الفرض ما يقع عليه الاسم فقط ؟ قال : ولكن قد يتخيل الفطن فرقا ويقول مرتبة الفرضية فوق مرتبة السنة وكل مصل في الجمع الكبير ينبغي أن لا يحرم رتبة الفرضية ، وقد قام بما أمر به ، وهذا لطيف لا يقع مثله ، قال : ثم قال الأئمة : إذا صلت طائفة ثانية كانت كصلاتهم مع الأولين في جماعة واحدة . وأما قول المصنف " وصلاة الجنازة لا يتنفل بمثلها " فمعناه لا يجوز الابتداء بصورتها من غير جنازة بخلاف صلاة الظهر ، فإنه يصلي مثل صورتها ابتداء بلا سبب . ولكن هذا الذي قاله ينتقض بصلاة النساء على الجنازة [ ص: 208 ] فإنهن إذا صلين على الجنازة مع الرجال وقعت صلاتهن نافلة ، وهي صحيحة ، وقد سبق هذا في المسألة الثانية والله أعلم .



( الرابعة ) : إذا حضر من لم يصل عليه بعد دفنه وأراد الصلاة عليه في القبر أو أراد الصلاة عليه في بلد آخر جاز بلا خلاف للأحاديث السابقة في المسألة الثانية .



وإلى متى تجوز الصلاة على المدفون ؟ فيه ستة أوجه : ( أحدها ) : يصلى عليه إلى ثلاثة أيام ولا يصلى بعدها ، حكاه الخراسانيون وهو المشهور عندهم ( والثاني ) : إلى شهر ( والثالث ) : ما لم يبل جسده ( والرابع ) : يصلي عليه من كان من أهل فرض الصلاة عليه يوم موته ( والخامس ) : يصلي من كان من أهل الصلاة عليه يوم موته ، وإن لم يكن من أهل الفرض فيدخل الصبي المميز . وممن حكى هذا الوجه للمصنف في التنبيه صححه البندنيجي ( والسادس ) : يصلى عليه أبدا ، فعلى هذا تجوز الصلاة على قبور الصحابة رضي الله عنهم ومن قبلهم اليوم ، واتفق الأصحاب على تضعيف هذا السادس . وممن صرح بتضعيفه الماوردي والمحاملي والفوراني وإمام الحرمين والبغوي والغزالي في البسيط وآخرون ، وإن كان في كلام صاحب التنبيه إشارة إلى ترجيحه فهو مردود مخالف للأصحاب وللدليل . واختلفوا في الأصح من الأوجه ( فصحح ) الماوردي وإمام الحرمين والجرجاني الثالث ، وصحح الجمهور أنه يصلي عليه من كان من أهل فرض الصلاة عليه ممن صرح بتصحيحه الشيخ أبو حامد والفوراني والبغوي والرافعي وآخرون قالوا : وهو قول أبي زيد المروزي ، فعلى هذا الوجه لو كان يوم الموت كافرا ثم أسلم .

قال إمام الحرمين : الذي أراه أنه يصلي ; لأنه كان متمكنا من الصلاة بأن يسلم فهو كالمحدث . قال : والمرأة إذا كانت حائضا يوم الموت طهرت فالحيض ينافي وجوب الصلاة وصحتها ، ولكن هي في الجملة مخاطبة ، فالذي أراه أنها تصلي . هذا كلام الإمام ، وكذا قطع الغزالي في البسيط بأن الكافر والحائض يوم الموت إذا أسلم وطهرت صليا ، وهذا الذي قالاه مخالف لظاهر كلام الأصحاب ، فإن الكافر والحائض ليس من أهل الصلاة . وقد قالوا : لا يصلي [ ص: 209 ] من لم يكن من أهل فرض الصلاة أو من لم يكن من أهل الصلاة حال الموت . وقد صرح المتولي بأنهما لا يصليان ، وقال الشيخ أبو حامد في حكاية هذا الوجه : يصلي عليه من كان مخاطبا بالصلاة عليه يوم موته وجوبا أو ندبا من رجل وامرأة وعبد ، فأما من بلغ بعده فلا . واحتج المتولي لهذا الوجه بأن حكم الخطاب يتعلق بكل من هو من أهل الصلاة ، وفعل غيرهم لم يسقط الفرض في حقهم وإنما أسقط الحرج ، وإذا قلنا يصلى عليه ما لم يبل جسده . قال الشيخ أبو محمد الجويني في كتابه الفروق والسرخسي وغيرهما من أصحابنا : المراد ما لم يبق من بدنه شيء لا لحم ولا عظم ، فمتى بقي عظم صلى . قال أصحابنا رحمهم الله : ويختلف هذا باختلاف البقاع فلو شككنا في انمحاق أجزائه صلى ; لأن الأصل بقاؤه .

هكذا صرح به كثيرون ، وهو مقتضى عبارة الباقين ، فإن الشيخ أبا حامد في تعليقه والمحاملي في التجريد والصيدلاني والقاضي حسينا وآخرين ، قالوا : يصلى عليه ما لم يعلم أنه بلي وذهبت أجزاؤه . وقال إمام الحرمين والغزالي في البسيط : فيه احتمالان ( أحدهما ) : هذا ( والثاني ) : لا يصلى ; لأن صحة الصلاة على هذا الوجه متوقفة على العلم ببقاء شيء منه . وعبارة المحاملي في المجموع توافق هذا ، فإنه قال : يصلى ما دام يعلم أن في القبر منه شيئا ، والمذهب الأول . قال أصحابنا رحمهم الله : وإذا قلنا بالوجه الضعيف أنه يصلى أبدا فهل تجوز الصلاة على قبر نبينا وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ؟ فيه وجهان مشهوران على هذا الوجه ( أصحهما : ) عند الخراسانيين والماوردي أنه لا تجوز الصلاة . قال إمام الحرمين : وهو قول جماهير الأصحاب ، وبهذا قطع البندنيجي وآخرون .

( والثاني ) : وهو قول أبي الوليد النيسابوري من متقدمي أصحابنا أنه يصلى عليه فرادى لا جماعة . قال : والنهي الوارد في الأحاديث الصحيحة إنما هو عن الصلاة عليه جماعة ، وكان أبو الوليد يقول : أنا أصلي اليوم على قبور الأنبياء والصالحين وبهذا الوجه الذي قاله أبو الوليد قطع القاضي [ ص: 210 ] أبو الطيب في كتابيه التعليق والمجرد ، والمحاملي في التجريد ، ورجحه الشيخ أبو حامد في تعليقه ، والأول أصح . والله أعلم .



( فرع ) إذا دفن من غير صلاة قال أصحابنا يأثم الدافنون ، وكل من توجه عليه فرض هذه الصلاة من أهل تلك الناحية ; لأن تقديم الصلاة على الدفن واجب . وإن كانت الصلاة على القبر تسقط الفرض إلا أنهم يأثمون ، صرح به إمام الحرمين والأصحاب ولا خلاف فيه . قال أصحابنا : لكن لا ينبش بل يصلى على القبر ; لأن نبشه انتهاك له والصلاة على القبر تجزئه . هكذا قاله الأصحاب . وحكى الرافعي وجها أنه لا يسقط الفرض بالصلاة على القبر وهو ضعيف أو غلط .



( فرع ) في مذاهب العلماء فيمن فاته الصلاة على الميت ذكرنا أن مذهبنا أنه يصلي على القبر . ونقلوه عن علي وغيره من الصحابة رضي الله عنهم . قال ابن المنذر رحمه الله : وهو قول ابن عمر وأبي موسى وعائشة وابن سيرين والأوزاعي وأحمد . وقال النخعي ومالك وأبو حنيفة : لا يصلى على الميت إلا مرة واحدة . ولا يصلى على القبر إلا أن يدفن بلا صلاة ، إلا أن يكون الولي غائبا فصلى غيره عليه ودفن فللولي أن يصلي على القبر . وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يصلى على القبر بعد ثلاثة أيام من دفنه ، وقال أحمد رحمه الله إلى شهر . وإسحاق إلى شهر للغائب وثلاثة أيام للحاضر . دليلنا في الصلاة على القبر وإن صلى عليه الأحاديث السابقة في المسألة الثانية .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث