الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها

جزء التالي صفحة
السابق

تنبيه .

وفي مجيئها بعد الآيات الكونية ; من شمس ، وقمر ، وليل ، ونهار ، وسماء ، وأرض ، لفت إلى وجوب التأمل في تلك المخلوقات ، يستلهم منها الدلالة على قدرة خالقها ، والاستدلال على تغير الأزمان ، وحركة الأفلاك ، وإحداث السماء بالبناء ; أنه لا بد لهذا العالم من صانع ، ولا بد للمحدث المتجدد من فناء وعدم .

كما عرض إبراهيم - عليه السلام - على النمروذ نماذج الاستدلال على الربوبية والألوهية ، فأشار إلى الشمس أولا ، ثم إلى القمر ، ثم انتقل به إلى الله سبحانه .

وقوله : فألهمها فجورها وتقواها ، إن كان " ألهمها " بمعنى هداها وبين لها ، فهو كما في قوله : وهديناه النجدين [ 90 \ 10 ] ، وقوله : إنا هديناه السبيل [ 76 \ 3 ] ، وهذا على الهداية العامة ، التي بمعنى الدلالة والبيان .

وإن كان بمعنى التيسير والإلزام ، ففيه إشكال القدر في الخير الاختيار .

وقد بحث هذا المعنى الشيخ - رحمة الله تعالى علينا وعليه - في دفع إيهام الاضطراب بحثا وافيا .

قوله تعالى : قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها

هذا هو جواب القسم فيما تقدم ، فالواو قد حذفت منه اللام ; لطول ما بين المقسم به والمقسم عليه .

وقد نوه عنه الشيخ - رحمة الله تعالى علينا وعليه - عند الكلام على قوله تعالى : إن ذلك لحق تخاصم أهل النار [ 38 \ 64 ] ، من سورة " ص " ، وأنهم استدلوا لهذه الآية عليه .

والأصل : لقد أفلح ، فحذفت اللام لطول الفصل ، و " زكاها " بمعنى طهرها ، وأول ما يطهرها منه دنس الشرك ورجسه ، كما قال تعالى : إنما المشركون نجس [ 9 \ 28 ] ، وتطهيرها منه بالإيمان ثم من المعاصي بالتقوى ، كما في قوله تعالى : فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى [ 53 \ 32 ] ، ثم بعمل الطاعات قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى [ 87 \ 14 - 15 ] .

[ ص: 542 ] واختلف في مرجع الضمير في " زكاها " و " دساها " ، وهو يرجع إلى اختلافهم في : فألهمها فجورها وتقواها ، فهل يعود إلى الله تعالى ، كما في : ونفس وما سواها ، أم يعود على العبد .

ويمكن أن يستدل لكل قول ببعض النصوص . فمما يستدل به للقول الأول قوله تعالى : بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا [ 4 \ 49 ] ، وقوله : ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا [ 24 \ 21 ] ، وفي الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند هذه الآية : " اللهم آت نفسي تقواها ، وزكها ; أنت خير من زكاها ، وأنت وليها ومولاها " .

ومما استدل به للقول الثاني فكقوله : قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى [ 87 \ 14 - 15 ] ، وقوله : ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير [ 35 \ 18 ] ، وقوله : فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى [ 79 \ 18 - 19 ] ، وقوله : وما يدريك لعله يزكى [ 80 \ 3 ] ، وكلها كما ترى محتملة ، والإشكال فيها كالإشكال فيما قبلها .

والذي يظهر - والله تعالى أعلم - : أن الجمع بين تلك النصوص كالجمع في التي قبلها ، وأن ما يتزكى به العبد من إيمان وعمل في طاعة وترك لمعصية ، فإنه بفضل من الله ، كما في قوله تعالى المصرح بذلك : ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا [ 24 \ 21 ] .

وكل النصوص التي فيها عود الضمير ، أو إسناد التزكية إلى العبد ، فإنها بفضل من الله ورحمته ، كما تفضل عليه بالهدى والتوفيق للإيمان ، فهو الذي يتفضل عليه بالتوفيق إلى العمل الصالح ، وترك المعاصي ، كما في قولك : " لا حول ولا قوة إلا بالله " ، وقوله : فلا تزكوا أنفسكم [ 53 \ 32 ] ، وقوله : ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم [ 4 \ 49 ] ، إنما هو بمعنى المدح والثناء ، كما في قوله تعالى : قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا [ 49 \ 14 ] ، بل إن في قوله تعالى : بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا [ 4 \ 49 ] ، الجمع بين الأمرين ، القدري والشرعي : بل الله يزكي من يشاء [ ص: 543 ] بفضله ، ولا يظلمون فتيلا بعدله . والله تعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث