الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل

جزء التالي صفحة
السابق

1746 [ ص: 440 ] 16 - باب : إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل

1843 - حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عمرو بن دينار ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطبنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرفات فقال: " من لم يجد الإزار فليلبس السراويل، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين". [انظر: 1740 - مسلم: 1178 - فتح: 4 \ 58]

التالي السابق


ذكر فيه حديث ابن عباس المذكور.

وقد اختلف العلماء إذا احتاج إلى لبس الخفين عند عدم النعلين، وقطعهما فقال مالك والشافعي: لا فدية عليه، وأخذا بحديث ابن عمر . وقال أبو حنيفة: عليه الفدية. وهو خلاف الحديث، واحتج أصحابه: بأنه - عليه السلام - أباح له لبس السراويل عند عدم الإزار، وذلك يوجب فيه الفدية، فيقال: أمرنا بالقطع كما سلف; ليصير في معنى النعلين التي لا فدية في لبسهما، ولم نؤمر بفتق السراويل; لئلا تنكشف العورة فبقي في حكم القميص المخيط، ولو أمر بفتقه لصار في معنى الخف إذا قطع.

والحجة للمانع الأمر بقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين فلو وجبت مع قطعهما، وتركهما لم يكن لقطعهما فائدة; لأنه إتلاف من غير فائدة، وإنما قطعهما; ليصيرا في معنى النعلين حتى لا تجب فدية، ولا يدخل فيجبر بهما، ولو وجبت بلبسه بعد القطع كما تجب بلبسه قبله لم يأمره - عليه السلام - بالقطع; لأن لبسه بعد القطع كلبسه قبله، فلما جوز له لبسه بعد القطع، ولم يجوزه قبله علم أنه إذا لبسه بعد [ ص: 441 ] القطع كان مخالفا لحكمه إذا لبسه قبل القطع في الفدية.

واعلم أن حديث ابن عمر وكذا جابر مطلق، وحديث ابن عباس مقيد، ورجع ابن حزم وغيره إلى رواية ابن عمر . قال ابن حزم: حديث ابن عمر فيه زيادة لا يحل خلافها. وقال ابن عبد البر: المصير إلى روايته أولى، والمشهور عن أحمد أنه لا يلزمه القطع، ونقله ابن قدامة عن علي، وبه قال عطاء وعكرمة وسعيد بن سالم القداح.

احتج أحمد بحديث ابن عباس في الكتاب، وحديث جابر مثله، مع قول علي: قطع الخفين فساد، يلبسهما كما هما. مع موافقة القياس فأشبه الملبوس الذي أبيح لعدم غيره، فأشبه السراويل، وقطعه لا يخرجه عن حالة الحظر، فإن لبس المقطوع محرم مع الفدية على النعلين كلبس الصحيح، وفي إتلاف ماليته، وقد نهى عن إضاعته، وقد أسلفنا في باب: ما لا يلبس المحرم من الثياب، أن بعضهم وهم فجعل قوله: "فليقطعهما" من قول نافع.

قال ابن قدامة: وروى ابن أبي موسى ، عن صفية بنت أبي عبيد، عن عائشة أنه - عليه السلام - رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما، [ ص: 442 ] وكان ابن عمر يفتي بقطعهما، قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع. أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة وابن حبان: أن ابن عمر كان يصنع ذلك -يعني: يفتي بقطعهما للمرأة المحرمة- ثم حدثته صفية أن عائشة حدثتها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كان رخص للنساء في الخفين، ترك ذلك.

قال: وروى أبو حفص في "شرحه" بسند إلى عبد الرحمن بن عوف أنه طاف وعليه خفان، فقال له عمر: والخفان مع الغنى؟ قال: قد لبستهما مع من هو خير منك، يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكره الطحاوي فقال: روي عن عامر بن ربيعة قال: خرجت مع ابن عمر فرأى ابن عوف.. الحديث. وفيه: فعلته مع من هو خير منك، مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يعبه علي. وهو ظاهر أنه رآه ولم ينكره.

قال ابن قدامة: ويحتمل أن يكون الأمر بقطعهما قد نسخ، فإن عمرو بن دينار روى الحديثين جميعا، وقال: انظروا أيهما كان قبل.

[ ص: 443 ] قال الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري: حديث ابن عمر قبل; لأنه قد جاء في بعض رواياته: نادى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد -يعني بالمدينة - فكأنه كان قبل الإحرام، وحديث ابن عباس يقول: سمعته يخطب بعرفات، الحديث، فيدل على تأخره عن حديث ابن عمر ، فيكون ناسخا; لأنه لو كان القطع واجبا لبينه للناس؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه.

قال ابن الجوزي: روى حديث ابن عمر مالك وعبيد الله وأيوب في آخرين فوقفوه على ابن عمر ، وحديث ابن عباس سالم من الوقف مع ما عضده من حديث جابر، وقد أخذ بحديثنا عمر وعلي وسعد وابن عباس وعائشة، ثم إنا نحمل قوله: "وليقطعهما" على الجواز من غير كراهة لأجل الإحرام، وينهى عن ذلك في غير الإحرام; لما فيه من الفساد، فأما إذا لبس الخف المقطوع من أسفل الكعب مع وجود النعل، فعندنا أنه لا يجوز وتجب عليه الفدية خلافا لأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي.

قال ابن قدامة: والأولى قطعهما; عملا بالحديث الصحيح، وخروجا من الخلاف وأخذا بالاحتياط. وذكر الميموني عن أحمد أنه ذكر حديث ابن عمر وأنه مرفوع فيه ذكر القطع، وقال: ليس تجد أحدا يرفعه غير زهير، قال: وكان زهير من معادن الصدق. وقول الخطابي: العجب من أحمد، فإنه لا يخالف سنة تبلغه. وقلت: سنة [ ص: 444 ] لم تبلغه عجب; لأن هذه السنة بلغته كما علمته، قال: وقول من قال: قطعهما فساد يشبه أن حديث ابن عمر لم يبلغه، إنما الفساد فعل ما نهى عنه، وفي بعض نسخ النسائي في حديث ابن عباس من رواية عمرو بن دينار زيادة: "وليقطعهما أسفل من الكعبين" كحديث ابن عمر ، ويعكر عليه رواية أحمد في "مسنده" عن عمرو، أن أبا الشعثاء أخبره عن ابن عباس بالحديث، وفيه قال: فقلت له: ولم يقل ليقطعهما.

قال: لا، ودعوى أن حديث ابن عباس بعرفات، وحديث ابن عمر بالمدينة، يخدشه ما ذكره ابن خزيمة في "صحيحه" عن ابن عباس : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب ويقول: "السراويل لمن لم يجد الإزار" الحديث. وحدثنا أحمد بن المقدام، ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بذلك المكان فقال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم؟.. الحديث. كأنه يشير به إلى عرفات، فتنبه له.

وأجمعوا أن المحرم إذا وجد إزارا لم يجز له لبس السراويل.

واختلفوا إذا لم يجد إزارا، فقال عطاء والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: يلبسه ولا شيء عليه. وأخذوا بحديث ابن عباس .

[ ص: 445 ] وقال أبو حنيفة ومالك: عليه الفدية سواء وجد إزارا أم لا، إلا أن يشقه ويتزر به. خالفا ظاهر الحديث، وقال الطحاوي: لا يجوز له لبسه حتى يفتقه.

وقال الرازي: يجوز ويفدي، وهو قول أصحاب مالك.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث