الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن

ثم قال تعالى : ( وابيضت عيناه من الحزن ) وفيه وجهان :

الوجه الأول : أنه لما قال : يا أسفى على يوسف غلبه البكاء ، وعند غلبة البكاء يكثر الماء في العين فتصير العين كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء ، وقوله : ( وابيضت عيناه من الحزن ) كناية عن غلبة البكاء ، والدليل على صحة هذا القول أن تأثير الحزن في غلبة البكاء لا في حصول العمى ، فلو حملنا الابيضاض على غلبة البكاء كان هذا التعليل حسنا ، ولو حملناه على العمى لم يحسن هذا التعليل ، فكان ما ذكرناه أولى ، وهذا التفسير مع الدليل رواه الواحدي في "البسيط" عن ابن عباس رضي الله عنهما .

والوجه الثاني : أن المراد هو العمى ، قال مقاتل : لم يبصر بهما ست سنين حتى كشف الله تعالى عنه بقميص يوسف عليه السلام ، وهو قوله : ( فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا ) ( يوسف : 93 ) .

قيل : إن جبريل عليه السلام دخل على يوسف عليه السلام حينما كان في السجن ، فقال : إن بصر أبيك ذهب من الحزن عليك ؛ فوضع يده على رأسه وقال : ليت أمي لم تلدني ولم أك حزنا على أبي ، والقائلون بهذا التأويل قالوا : الحزن الدائم يوجب البكاء الدائم وهو يوجب العمى ، فالحزن كان سببا للعمى بهذه الواسطة ، وإنما كان البكاء الدائم يوجب العمى ، لأنه يورث كدورة في سوداء العين ، ومنهم من قال : ما عمي لكنه صار بحيث يدرك إدراكا ضعيفا .

قيل : ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف عليه السلام إلى حين لقائه ، وتلك المدة ثمانون عاما ، وما كان على وجه الأرض عبد أكرم على الله تعالى من يعقوب عليه السلام .

أما قوله تعالى : ( من الحزن ) فاعلم أنه قرئ ( من الحزن ) بضم الحاء وسكون الزاي ، وقرأ الحسن بفتح الحاء والزاي .

قال الواحدي : واختلفوا في الحزن والحزن فقال قوم : الحزن : البكاء ، والحزن : ضد الفرح ، وقال قوم : هما لغتان يقال : أصابه حزن شديد ، وحزن شديد ، وهو مذهب أكثر أهل اللغة ، وروى يونس ، عن أبي عمرو ، قال : إذا كان في موضع النصب فتحوا الحاء والزاي كقوله : ( تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ) ( التوبة : 92 ) وإذا كان في موضع الخفض أو الرفع ضموا الحاء كقوله : ( من الحزن ) وقوله : ( أشكو بثي وحزني إلى الله ) قال : هو في موضع رفع بالابتداء .

وأما قوله تعالى : ( فهو كظيم ) فيجوز أن يكون بمعنى الكاظم ، وهو الممسك على حزنه فلا يظهره .

قال ابن قتيبة : ويجوز أن يكون بمعنى المكظوم ، ومعناه : المملوء من الحزن مع سد طريق نفسه ، المصدور من كظم السقاء إذا اشتد على ملئه ، ويجوز أيضا أن يكون بمعنى مملوء من الغيظ على أولاده .

واعلم أن أشرف أعضاء الإنسان هذه الثلاثة ، فبين تعالى أنها كانت غريقة في الغم ، فاللسان كان [ ص: 157 ] مشغولا بقوله : ( ياأسفى ) والعين بالبكاء والبياض ، والقلب بالغم الشديد الذي يشبه الوعاء المملوء الذي شد ولا يمكن خروج الماء منه ، وهذه مبالغة في وصف ذلك الغم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث