الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله

ثم قال تعالى : ( هذا بلاغ للناس ) أي هذا التذكير والموعظة بلاغ للناس ، أي كفاية في الموعظة ثم اختلفوا فقيل : إن قوله " هذا " إشارة إلى كل القرآن ، وقيل : بل إشارة إلى كل هذه السورة ، وقيل : بل إشارة إلى المذكور من قوله : ( ولا تحسبن ) إلى قوله : ( سريع الحساب ) وأما قوله : ( ولينذروا به ) فهو معطوف على محذوف أي لينتصحوا : ( ولينذروا به ) أي بهذا البلاغ .

ثم قال : ( وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب ) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قد ذكرنا في هذا الكتاب مرارا أن النفس الإنسانية لها شعبتان : القوة النظرية وكمال حالها في معرفة الموجودات بأقسامها وأجناسها وأنواعها حتى تصير النفس كالمرآة التي يتجلى فيها قدس الملكوت ويظهر فيها جلال اللاهوت ، ورئيس هذه المعارف والجلاء معرفة توحيد الله بحسب ذاته وصفاته وأفعاله .

والشعبة الثانية : القوة العملية وسعادتها في أن تصير موصوفة بالأخلاق الفاضلة التي تصير مبادئ لصدور الأفعال الكاملة عنها ، ورئيس سعادات هذه القوة طاعة الله وخدمته .

إذا عرفت هذا فنقول : قوله : ( وليعلموا أنما هو إله واحد ) إشارة إلى ما يجري مجرى الرئيس لكمال حال القوة النظرية ، وقوله : ( وليذكر أولو الألباب ) إشارة إلى ما يجري مجرى الرئيس لكمال حال القوة العملية فإن الفائدة في هذا التذكر إنما هو الإعراض عن الأعمال الباطلة والإقبال على الأعمال الصالحة ، وهذه الخاتمة كالدليل القاطع في أنه لا سعادة للإنسان إلا من هاتين الجهتين .

المسألة الثانية : هذه الآيات مشعرة بأن التذكير بهذه المواعظ والنصائح يوجب الوقوف على التوحيد والإقبال على العمل الصالح ، والوجه فيه أن المرء إذا سمع هذه التخويفات والتحذيرات عظم خوفه واشتغل بالنظر والتأمل ، فوصل إلى معرفة التوحيد والنبوة واشتغل بالأعمال الصالحة .

[ ص: 119 ] المسألة الثالثة : قال القاضي : أول هذه السورة وآخرها يدل على أن العبد مستقل بفعله إن شاء أطاع وإن شاء عصى . أما أول هذه السورة فهو قوله تعالى : ( لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ) [ إبراهيم : 1 ] فإنا قد ذكرنا هناك أن هذا يدل على أن المقصود من إنزال الكتاب إرشاد الخلق كلهم إلى الدين والتقوى ومنعهم عن الكفر والمعصية ، وأما آخر السورة فلأن قوله : ( وليذكر أولو الألباب ) يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذه السورة ، وإنما ذكر هذه النصائح والمواعظ لأجل أن ينتفع الخلق بها فيصيروا مؤمنين مطيعين ويتركوا الكفر والمعصية ، فظهر أن أول هذه السورة وآخرها متطابقان في إفادة هذا المعنى . واعلم أن الجواب المستقصى عنه مذكور في أول السورة فلا فائدة في الإعادة .

المسألة الرابعة : هذه الآية دالة على أنه لا فضيلة للإنسان ولا منقبة له إلا بسبب عقله ، لأنه تعالى بين أنه إنما أنزل هذه الكتب ، وإنما بعث الرسل لتذكير أولي الألباب ، فلولا الشرف العظيم والمرتبة العالية لأولي الألباب لما كان الأمر كذلك .

قال المصنف رحمه الله تعالى ورضي عنه : تم تفسير هذه السورة يوم الجمعة في أواخر شعبان سنة إحدى وستمائة ، ختم بالخير والغفران في صحراء بغداد ، ونسأل الله الخلاص من الغموم والأحزان ، والفوز بدرجات الجنان ، والخلاص من دركات النيران ، إنه الملك المنان ، الرحيم الديان ، بحمد الله وحسن توفيقه ، وصلاته وسلامه على خاتم النبيين محمد وآله وسلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث