الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب افتتاح الصلاة

حدثني يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضا وقال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد وكان لا يفعل ذلك في السجود

التالي السابق


4 - باب ما جاء في افتتاح الصلاة

165 162 - ( مالك عن ابن شهاب ) محمد بن مسلم الزهري ( عن سالم بن عبد الله ) بن عمر ( عن ) أبيه ( عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو ) بحاء مهملة وذال معجمة ساكنة أي مقابل ( منكبيه ) تثنية منكب ، وهو مجمع عظم العضد والكتف وبهذا أخذ مالك والشافعي والجمهور ، وذهب الحنفية إلى حديث مالك بن الحويرث : " أنه كان - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى كبر ثم رفع حتى يحاذي بهما أذنيه " رواه مسلم وفي لفظ له : " حتى يحاذي بهما فروع أذنيه " ولأبي داود عن وائل بن حجر : " حتى حاذيا أذنيه " ورجح الأول بكونه أصح إسنادا ثم الرفع يكون مقارنا للتكبير وانتهاؤه مع انتهائه ، لرواية شعيب عن الزهري في هذا الحديث عند البخاري يرفع يديه حين يكبر .

وروى أبو داود عن وائل بن حجر أنه - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه مع التكبير ، وقضية المقارنة أنه ينتهي بانتهائه وهذا هو الأصح عند الشافعية والمالكية ، وجاء تقديم الرفع على التكبير ، وعكسه أخرجهما مسلم فعنده من رواية ابن جريج وغيره عن ابن شهاب بلفظ : " رفع يديه ثم كبر " .

وله في حديث مالك بن الحويرث : " كبر ثم رفع يديه " .

وقال صاحب الهداية من الحنفية : الأصح يرفع ثم يكبر ; لأن الرفع صفة نفي الكبرياء عن غير الله والتكبير إثبات ذلك له ، والنفي سابق على الإثبات كما في كلمة الشهادة ، قال الحافظ : وهذا مبني على أن حكمة الرفع ما ذكر ، وقد قال فريق من العلماء : الحكمة في اقترانهما أنه يراه الأصم ويسمعه الأعمى ، وقيل : الإشارة إلى طرح الدنيا والإقبال بكليته على العبادة ، وقيل : إلى الاستسلام والانقياد [ ص: 294 ] فيناسب فعله قوله الله أكبر ، وقيل : إلى استعظام ما دخل فيه ، وقيل إلى تمام القيام ، وقيل : إلى رفع الحجاب بين العبد والمعبود ، وقيل : ليستقبل بجميع بدنه ، قال القرطبي : هذا أشبهها .

وقال الربيع : قلت للشافعي : ما معنى رفع اليدين ؟ قال تعظيم الله واتباع سنة نبيه انتهى .

وقال ابن عبد البر : رفع اليدين معناه عند أهل العلم تعظيم لله وعبادة له وابتهال إليه واستسلام له وخضوع في حالة الوقوف بين يديه واتباع لسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، وكان ابن عمر يقول : لكل شيء زينة وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي .

وقال عقبة بن عامر : له بكل إشارة عشر حسنات ، بكل أصبع حسنة انتهى .

وهذا رواه الطبراني بسند حسن عن عقبة قال : يكتب في كل إشارة يشيرها الرجل بيده في الصلاة بكل أصبع حسنة أو درجة موقوف لفظا مرفوع حكما ، إذ لا دخل للرأي فيه ، وهذا الرفع مستحب عند جمهور العلماء عند افتتاح الصلاة لا واجب كما قال الأوزاعي والحميدي شيخ البخاري وابن خزيمة وداود وبعض الشافعية والمالكية .

قال ابن عبد البر : وكل من نقل عنه الوجوب لا تبطل الصلاة بتركه إلا في رواية عن الأوزاعي والحميدي وهو شذوذ وخطأ ، وقيل : لا يستحب حكاه الباجي عن كثير من المالكية ونقله اللخمي رواية عن مالك ، ولذا كان أسلم العبارات قول أبي عمر : أجمع العلماء على جواز رفع اليدين عند افتتاح الصلاة .

وقول ابن المنذر : لم يختلفوا أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة .

( وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما ) أي يديه ( كذلك ) أي حذو منكبيه ( أيضا ) كذا ليحيى والقعنبي والشافعي ومعن ويحيى والنيسابوري وابن نافع وجماعة فلم يذكروا الرفع عند الانحطاط للركوع .

ورواه ابن وهب وابن القاسم وابن مهدي ومحمد بن الحسن وعبد الله بن يوسف وابن نافع وجماعة غيرهم في الموطأ بإثباته فقالوا : وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضا .

قال ابن عبد البر : وهو الصواب وكذلك لسائر من رواه عن ابن شهاب .

وقال جماعة : إن ترك ذكر الرفع عند الانحطاط إنما أتى من مالك وهو الذي ربما أوهم فيه ; لأن جماعة حفاظا رووا عنه الوجهين جميعا ، واختلف في مشروعيته فروى ابن القاسم عن مالك لا يرفع في غير الإحرام ، وبه قال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين .

وروى أبو مصعب وابن وهب وأشهب وغيرهم عن مالك أنه كان يرفع إذا ركع وإذا رفع منه على حديث ابن عمر ، وبه قال الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق والطبري وجماعة أهل الحديث ، وكل من روي عنه من الصحابة ترك الرفع فيهما روي عنه فعله إلا ابن مسعود .

وقال محمد بن الحكم : لم يرو أحد عن مالك ترك الرفع فيهما إلا ابن القاسم والذي نأخذ به الرفع لحديث ابن عمر ، انتهى كلام ابن عبد البر .

وقال الأصيلي لم يأخذ به مالك ; لأن نافعا وقفه على ابن عمر وهو أحد الأربع التي اختلف فيها سالم ونافع .

ثانيهما : من باع عبدا وله مال فماله [ ص: 295 ] للبائع .

والثالث : الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة .

والرابع : فيما سقت السماء والعيون العشر ، فرفع الأربعة سالم ووقفها نافع انتهى .

وبه يعلم تحامل الحافظ في قوله : لم أر للمالكية دليلا على تركه ولا متمسكا إلا قول ابن القاسم انتهى .

لأن سالما ونافعا لما اختلفا في رفعه ووقفه ، ترك مالك في المشهور القول باستحباب ذلك ; لأن الأصل صيانة الصلاة عن الأفعال .

قال الحافظ : وأما الحنفية فعولوا على رواية مجاهد أنه صلى خلف ابن عمر فلم يره يرفع فيهما ، ورد بأن في إسناده عن مجاهد مقالا ، وعلى تقدير صحته فقد أثبت ذلك سالم ونافع وغيرهما عنه ، والعدد الكثير أولى من واحد لا سيما وهم مثبتون وهو ناف ، مع أن الجمع ممكن بأنه لم يره واجبا ففعله تارة وتركه أخرى يدل على ضعفه ما رواه البخاري في جزء رفع اليدين عن مالك عن نافع أن ابن عمر كان إذا رأى رجلا لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رماه بالحصى ، واحتجوا أيضا بحديث ابن مسعود : " أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه عند الافتتاح ثم لا يعود " أخرجه أبو داود ، ورده الشافعي بأنه لم يثبت ، قال : ولو ثبت لكان المثبت مقدما على النافي وقد صححه بعض أهل الحديث ، لكنه استدل به على عدم الوجوب ، ومقابل هذا قول بعض الحنفية أنه يبطل الصلاة ، ونسب بعض متأخري المغاربة فاعله إلى البدعة وبه قال بعض محققيهم درءا لهذه المفسدة ، لكن قال البخاري في جزء رفع اليدين : من زعم أنه بدعة فقد طعن في الصحابة ؛ لأنه لم يثبت عن أحد منهم تركه ، ولا أسانيد أصح من أسانيد الرفع .

( وقال سمع الله لمن حمده ) قال العلماء : معنى سمع هنا أجاب ، ومعناه أن من حمده متعرضا لثوابه استجاب الله تعالى له ، وأعطاه ما تعرض له ، فإنا نقول : ربنا لك الحمد لتحصيل ذلك ( ربنا ولك الحمد ) قال العلماء : الرواية بثبوت الواو أرجح وهي زائدة ، وقيل : عاطفة على محذوف أي حمدناك ، وقيل : هي واو الحال قاله ابن الأثير وضعف ما عداه واستدل به على أن الإمام يجمع بين اللفظين ; لأن غالب أحواله صلى الله عليه وسلم الإمامة ، وعليه الشافعي وأبو يوسف ومحمد وجماعة أن الإمام والمأموم والفذ يقول اللفظين .

وقال مالك وأبو حنيفة : يقول الإمام : سمع الله لمن حمده فقط ، والمأموم : ربنا لك الحمد فقط ، لحديث : " إذا قال الإمام : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد " فقصر الإمام على قول ذلك والمأموم على الآخر ، وهذه قسمة منافية للشركة ، كحديث " البينة على المدعي واليمين على من أنكر " ، وأجابوا عن هذا الحديث بحمله على صلاته - صلى الله عليه وسلم - منفردا أو على صلاة النافلة توفيقا بين الحديثين ، والمنفرد يجمع بينهما على الأصح .

( وكان لا يفعل ذلك ) أي رفع يديه ( في السجود ) لا في الهوي إليه ولا في الرفع منه ، كما صرح به في رواية شعيب عن الزهري بلفظ : حين يسجد ولا حين يرفع رأسه ، وهذا يشمل ما إذا نهض من السجود إلى الثانية والرابعة والتشهدين ، ويشمل [ ص: 296 ] ما إذا قام إلى الثالثة أيضا لكن بدون تشهد واجب ، وإذا قلنا باستحباب جلسة الاستراحة لم يدل هذا اللفظ على نفي ذلك عن القيام منها إلى الثانية والرابعة ، لكن روى يحيى القطان عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا هذا الحديث ، وفيه : ولا يرفع بعد ذلك ، أخرجه الدارقطني في الغرائب بإسناد حسن ، وظاهره النفي عما عدا المواطن الثلاثة .

لكن روى البخاري من رواية عبيد الله عن نافع وأبو داود من رواية محارب بن دثار ، كلاهما عن ابن عمر : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه " وله شواهد من حديث علي وأبي حميد الساعدي أخرجهما أبو داود وصححهما ابن خزيمة وابن حبان .

وقال البخاري في جزء رفع اليدين : ما زاده ابن عمر وعلي وأبو حميد في عشرة من الصحابة من الرفع عند القيام من الركعتين صحيح ؛ لأنهم لم يخلوا صلاة واحدة ، فاختلفوا فيها ، وإنما زاد بعضهم على بعض ، والزيادة مقبولة من أهل العلم .

وقال ابن بطال : هذه الزيادة يجب قبولها لمن يقول بالرفع .

وقال الخطابي : لم يقل به الشافعي وهو لازم على أصله في قبول الزيادة .

وقال ابن خزيمة : هو سنة وإن لم يذكره الشافعي فالإسناد صحيح ، وقد قال : قولوا بالسنة ودعوا قولي .

وقد قال ابن دقيق العيد : قياس نظير الشافعي أن يستحب الرفع فيه ; لأنه أثبت الرفع عند الركوع ، والرفع منه لكونه زائدا على من اقتصر عليه عند الافتتاح ، والحجة في الموضعين واحدة ، وأول راض سيرة من يسيرها قال : والصواب إثباته .

وأما كونه مذهب الشافعي لقوله إذا صح الحديث فهو مذهبي ، ففيه نظر ، انتهى .

لأن محل العمل به إذا علم أنه لم يطلع على الحديث ، أما إذا عرف أنه اطلع عليه ورده أو تأوله بوجه فلا ، والأمر هنا محتمل ، وأطلق النووي في الروضة أنه نص عليه ، لكن الذي في الأم خلافه لقوله : " ولا يأمره بالرفع إلا في هذه المواضع الثلاثة المذكورة في حديث ابن عمر ، يعني حديث الباب وهو متواتر ، ذكر البخاري في جزء رفع اليدين أنه رواه سبعة عشر رجلا من الصحابة ، وذكر الحاكم وابن منده ممن رواه العشرة المبشرة ، وذكر شيخنا أبو الفضل الحافظ أنه تتبع من رواه من الصحابة فبلغوا خمسين رجلا ، ذكره في فتح الباري ، والحديث رواه البخاري عن مالك بنحوه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث