الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب تحريم لباس الحرير والتغليظ فيه على الرجال وإباحته للنساء

جزء التالي صفحة
السابق

3856 [ 1973 ] وعن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تلبسوا الحرير، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة.

رواه البخاري (5830) ومسلم (2069) (11) والترمذي (2818) والنسائي (8 \ 200). [ ص: 385 ]

التالي السابق


[ ص: 385 ] (29) كتاب اللباس

(1) باب تحريم لباس الحرير والتغليظ فيه على الرجال وإباحته للنساء

قوله: ( حلة سيراء ) قد تقدم ذكر الحلة في الجنائز، و( السيراء ): المخطط بالحرير، شبهت بالسيور خطوطها; قاله الأصمعي ، والخليل ، وغيرهما. والرواية: حلة سيراء - بتنوين حلة، ونصب سيراء - على أن تكون صفة للحلة كأنه قال: مسيرة . كما قالوا: جبة طيالسية; أي: غليظة. قال الخطابي : حلة سيراء، كقولك: ناقة عشراء. وبعضهم لا ينون الحلة، ويضيفها إلى سيراء. وكذلك رواه [ ص: 386 ] ابن سراج . وكذلك قيدته على من يوثق بعلمه وتقييده، فهو على هذا من إضافة الشيء إلى صفته. كقولهم: ثوب خز، على أن سيبويه قال: لم يأت فعلاء صفة، وإنما سيراء يتنزل منزلة مسيرة.

و(قوله: لو اشتريت هذه فلبستها للوفد ) وإقراره - صلى الله عليه وسلم - على هذا القول يدل على مشروعية التجمل للوفود، ومجامع المسلمين التي يقصد بها إظهار جمال الإسلام، والإغلاظ على العدو.

و(قوله: إنما يلبس هذه )، وفي رواية: ( الحرير من لا خلاق له في الآخرة ) الخلاق: قيل فيه: الحظ، والنصيب، والقدر. ويعني بذلك: أنه لباس الكفار والمشركين في الدنيا، وهم الذين لا حظ لهم في الآخرة.

واختلف الناس في لباس الحرير . فمن مانع، ومن مجوز على الإطلاق. وجمهور العلماء على منعه للرجال، وإباحته للنساء. وهو الصحيح لهذا الحديث، وما في بابه. وهي كثيرة. وأما إباحته للنساء فيدل عليها قوله في هذا الحديث: ( إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرا بين نسائك ) ، ولما خرجه النسائي من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: إن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ حريرا في يمينه، وذهبا في شماله، ثم قال: (إن هذين حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها ) . قال علي بن المديني : حديث حسن، ورجاله معروفون.

وهذا كله في الحرير الخالص المصمت، فأما الذي سداه حرير، ولحمته غيره: فكرهه مالك وإليه ذهب ابن عمر ، وأجازه ابن عباس .

وأما الخز، فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: الحظر، والإباحة، [ ص: 387 ] والكراهة. وجل المذهب على الكراهة. واختلف فيه; ما هو؟ فقيل: ما سداه حرير. قال ابن حبيب : ليس بين الخز وما سداه حرير ولحمته قطن أو غيره فرق إلا الاتباع، فإنه حكي إباحة الخز عن خمسة وعشرين من الصحابة. منهم: عثمان بن عفان ، وسعيد بن زيد ، وعبد الله بن عباس ، وخمسة عشر تابعيا، وكان عبد الله بن عمر يكسو بنيه الخز. وقيل في الخز: إنه يشبه الحرير، وليس به. ويكره لشبهه بالحرير، وللسرف.

و(قوله: فكساها عمر أخا له مشركا بمكة ) قيل: إنه كان أخاه لأمه. ذكره النسائي . وفيه ما يدل على جواز صلة القريب المشرك ، وما يدل على أن عمر - رضي الله عنه - لم يكن من مذهبه: أن الكفار يخاطبون بالفروع; إذ لو اعتقد ذلك لما كساه إياها، وهي تحرم عليه.

واختلف في علة تحريم الحرير للرجال . فقال الأبهري : هي التشبه بالنساء. وقيل: ما يجره من الخيلاء. وقيل: التشبه بالكفار الذين لا حظ لهم في الآخرة. وهو الذي دل عليه الحديث.

و(قوله: إنما بعثت بها إليك لتصيب بها ) أي: مالا. وكذا جاء مفسرا في [ ص: 388 ] بعض طرقه. ولم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر مثل الذي قال لأسامة ، ولا لعلي : ( لتشققها خمرا بين نسائك ) ولو سمع ذلك عمر لما سمع منه منع النساء من الحرير.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث