الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح

جزء التالي صفحة
السابق

يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب

في السؤال معنى القول ، فلذلك وقع بعده ماذا أحل لهم : كأنه قيل : يقولون لك ماذا أحل لهم ، وإنما لم يقل : ماذا أحل لنا ، حكاية لما قالوه لأن "يسألونك" بلفظ الغيبة ، كما تقول : أقسم زيد ليفعلن ، ولو قيل : لأفعلن وأحل لنا ، لكان صوابا ، و "ماذا" مبتدأ ، و “ أحل لهم" خبره كقولك : أي شيء أحل لهم؟ ومعناه : ماذا أحل لهم من المطاعم كأنهم حين تلا عليهم ما حرم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحل لهم منها ، فقيل : أحل لكم الطيبات أي : ما ليس بخبيث منها ، وهو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد . وما علمتم من الجوارح عطف على الطيبات أي : أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم فحذف المضاف . أو تجعل "ما" شرطية ، وجوابها "فكلوا" والجوارح : الكواسب من سباع البهائم والطير ، كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والبازي والشاهين ، والمكلب : مؤدب الجوارح ومضريها بالصيد لصاحبها ، ورائضها لذلك بما علم من الحيل وطرق التأديب والتثقيف ، واشتقاقه من الكلب ، لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب فاشتق من لفظه لكثرته من جنسه . أو لأن السبع يسمى كلبا ، ومنه قوله - عليه السلام - : "اللهم سلط عليه كلبا من كلابك" فأكله الأسد . أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة . يقال : هو كلب بكذا ، إذا كان ضاريا به ، وانتصاب مكلبين على الحال من "علمتم" . فإن قلت : ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بـ “ علمتم"؟ قلت : فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح نحريرا في علمه مدربا فيه ، موصوفا بالتكليب ، [ ص: 198 ] و تعلمونهن : حال ثانية أو استئناف ، وفيه فائدة جليلة ، وهي أن على كل آخذ علما ألا يأخذه إلا من أقتل أهله علما وأنحرهم دراية وأغوصهم على لطائفه وحقائقه ، وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل ، فكم من آخذ عن غيره متقن ، قد ضيع أيامه وعض عند لقاء النحارير أنامله مما علمكم الله : من علم التكليب ، لأنه إلهام من الله ومكتسب بالعقل . أو مما عرفكم أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه ، وانزجاره بزجره ، وانصرافه بدعائه ، وإمساك الصيد عليه وألا يأكل منه ، وقرئ : "مكلبين" بالتخفيف ، وأفعل وفعل يشتركان كثيرا ، والإمساك على صاحبه ألا يأكل منه ، لقوله عليه الصلاة والسلام لعدي بن حاتم : "وإن أكل منه فلا تأكل إنما أمسك على نفسه" وعن علي - رضي الله عنه - : إذا أكل البازي فلا تأكل ، وفرق العلماء ، فاشترطوا في سباع البهائم ترك الأكل لأنها تؤدب بالضرب ، ولم يشترطوه في سباع الطير ، ومنهم من لم يعتبر ترك الأكل أصلا ولم يفرق بين إمساك الكل والبعض ، وعن سلمان ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبي هريرة - رضي الله عنهم - : إذا أكل الكلب ثلثيه وبقي ثلثه وذكرت اسم الله عليه فكل . فإن [ ص: 199 ] قلت : إلام رجع الضمير في قوله : واذكروا اسم الله عليه ؟ قلت : إما أن يرجع إلى ما أمسكن على معنى وسموا عليه إذا أدركتم ذكاته ، أو إلى ما علمتم من الجوارح . أي : سموا عليه عند إرساله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث