الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ المسألة ] الرابعة [ أقسام التأكيد ]

ينقسم إلى لفظي ومعنوي ، فاللفظي يجيء لخوف النسيان أو لعدم الإصغاء ، أو للاعتناء ، وهو تارة بإعادة اللفظ وتارة يقوى بمرادفه ، ويكون في المفردات والمركبات . [ ص: 373 ]

وزعم الرافعي في الطلاق أنه أعلى درجات التأكيد قال إمام الحرمين : وينبغي فيه شيئان :

أحدهما : الاحتياط بإيصال الكلام إلى فهم السامع إن فرض ذهول أو غفلة .

والثاني : إيضاح القصد إلى الكلام والإشعار بأن لسانه لم يسبق إليه ، ويمثله النحويون بقوله تعالى : { كلا إذا دكت الأرض دكا دكا ، وجاء ربك والملك صفا صفا } وجعلهم صفا صفا تأكيدا لفظيا مردود ، فإنه ليس بتأكيد قطعا بل هو تأسيس ، والمراد صفا بعد صف ، ودكا بعد دك ، وكذلك ألفاظه إذا كررت فكل منها بناء على حدته ، والعجب منهم كيف خفي عليهم .

والمعنوي ، وهو إما أن يختص بالمفرد كالنفس والعين وجمعاء وكتعاء ، أو بالاثنين ككلا وكلتا ، أو بالجمع ككل وأجمعين ، وجمع وكتع . وكل وما في معناه للتجزؤ ، والنفس والعين للمتشخص غير المتجزئ ، وإما أن يختص بالجمل ككأن وإن وما في معناهما ، وفائدته : تمكين المعنى في نفس السامع ورفع التجاوزات المتوهمة ، فإن التجوز يقع في اللغة كثيرا فيطلق الشيء على أسبابه ومقدماته ، فإنه يقال : ورد البرد إذا وردت أسبابه ، ويطلق اسم الكل على البعض نحو { الحج أشهر معلومات } { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } قيد بالكمال ليخرج احتمال توهم بعض الحول الثاني ، والتوكيد يحقق أن اللفظ حقيقة ، فإن قيل : إذا كان رافعا لاحتمال التخصيص في نحو : قام القوم كلهم وللمجاز في نحو ، جاء زيد نفسه ، فهذه فائدة جديدة ، فكيف أطبقوا على أن المقصود منه التقوية ؟

قلت : إن الاحتمال المرفوع تارة يكون اللفظ مترددا فيه وفي غيره على [ ص: 374 ] السواء وتارة يكون احتمالا مرجوحا ، ورفع الاحتمال الأول فائدة زائدة ، لأن تردد اللفظ بينه وبين غيره ليس فيه دلالة على أحدهما ، كما أن الأعم لا يدل على الأخص ، فدفع ذلك الاحتمال تأسيس . أما الاحتمال المرجوح فهو مرفوع بظاهر اللفظ ، لأن اللفظ ينصرف إلى الحقيقة عند الإطلاق والتأكيد يقوي ذلك الظاهر .

وهاهنا أمور :

أحدها : أثبت ابن مالك قسما ثالثا ، وهو ما له شبه بالمعنوي وشبه باللفظي ، وإلحاقه به أولى ، كقولك : أنت بالخير حقيق قمين . ونوزع في هذا المثال ، ولا نزاع لإجماع النحويين على أن من التوكيد مررت بكم أنتم .

الثاني : هل أنه يوجب رفع احتمال المجاز أو يرجحه ؟ يخرج من كلام النحويين فيه قولان ، ففي " التسهيل " أنه رافع ، وكلام ابن عصفور وغيره يخالفه وهو الحق ، وكلام إمام الحرمين يقتضيه ، فإنه قال في " البرهان " : ومما زال فيه الناقلون عن الأشعري ويقتضيه أن صيغة العموم مع القرائن تبقى مترددة ، وهذا - وإن صح يحمل على توابع العموم كالصيغ المؤكدة . ا هـ . .

فقد صرح بأن التأكيد لا يرفع احتمال الخصوص ، ويؤيده ما في الحديث ( فأحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم ) فدخله التخصيص مع تأكيده ، وكذا قوله : { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } إن كان الاستثناء متصلا ، وهل يجري ذلك في التوكيد اللفظي ؟ ظاهر كلام " الإيضاح البياني " نعم والذي صرح به النحاة أنه [ ص: 375 ] لا يقتضي ذلك ، وأن القائل إذا قال : قام زيد زيد ، فإنما يفيد تقرير الكلام في ذهن السامع ، لا رفع التجوز .

وحكى الرماني في " شرح أصول ابن السراج " ، الأمرين فقال في قوله تعالى : { وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها } : مخرجه مخرج التمكين ، وقد يكون لرفع المجاز ، إذ لا يمنع أن يقال : هم في الجنة خالدين في غيرها ، فأزيل هذا بالتأكيد ، ودل على أنهم في الجنة التي يدخلونها مخلدون فيها ، ولا ينقلون عنها إلى جنة أخرى

الثالث : أن التوكيد اللفظي أكثر ما يقع مرتين كقوله : ألا حبذا حبذا حبذا ، وأما المعنوي فذكروا أن تلك الألفاظ كلها تجتمع ، والفرق أن هذا أثقل لاتحاد اللفظ .

وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام : اتفق الأدباء على أن التأكيد إذا وقع بالتكرار لا يزيد على ثلاث مرات يعني بالأصل ، وإلا ففي الحقيقة التأكيد بمرتين ، وأما قوله تعالى في المرسلات : { ويل يومئذ للمكذبين } أي بهذا ، فلا يجتمعان على معنى واحد ، فلا تأكيد ، وكذلك { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ونحوه ، وكذلك قال السبكي في " شرح الكافية " ، لم تتجاوز العرب في تأكيد الأفعال ثلاثا كما فعلوا في تأكيد الأسماء . قال تعالى : { فمهل الكافرين أمهلهم رويدا } فلم يزد على ثلاثة : مهل وأمهل ورويد ، وكلها لمعنى واحد . قال : ومما يدل على صحة هذا أن العرب لا تكاد يكررون الفعل مع تأكيده بالنون خفيفة ولا شديدة ، لأن تكريره مع الخفيفة مرتين كالتلفظ به أربع مرات ، ومع الشديدة كالتلفظ به ست مرات . ا هـ . لكن فيما قاله نظر لما سبق في الإتباع أنه سمع خمسة مع أنه تأكيد في المعنى ، وقال الزمخشري في تفسير سورة الرحمن : كانت عادة النبي صلى الله عليه وسلم أن يكرر عليهم ما كان يعظ به ، وينصح ثلاث مرات [ ص: 376 ] وسبعا ، ليركزه في قلوبهم ويغرزه في صدورهم ، وفي الحديث الصحيح : { ألا وقول الزور ، ألا وشهادة الزور ، فما زال يكررها حتى قلنا : ليته سكت . } ثم لا يشك أن الثلاثة في عادته صلى الله عليه وسلم كالمرة في حق غيره ، فعلم أنه كان قد زاد على الثلاث ، ثم مراد الشيخ التأكيد اللفظي ، أما المعنوي فنص النحويون على أن ألفاظه الصناعية كلها تجمع ، وفرقوا بما سبق .

الرابع : أن التأكيد نظير الاستثناء وحينئذ فيأتي فيه شروطه السابقة من اعتبار النية فيه ومحلها واتصاله بالمؤكد ، لكن جوز النحويون الفصل بينهما ، كقوله تعالى { ويرضين بما آتيتهن كلهن } .

الخامس : إن كون التوكيد يرفع التجوز إنما هو بالنسبة إلى الفاعل ، فإذا قلت : جاء زيد احتمل مجيئه بنفسه ومجيء جيشه ، فإذا قلت : نفسه ، انتفى الثاني . أما التأكيد بالمصدر نحو ضربت ضربا ، فنص ثعلب في أماليه " وابن عصفور في " شرح الجمل الصغير " والأبذوي في قوله تعالى : { وكلم الله موسى تكليما } أنه يدل على رفع المجاز ، وأنه كلمه بنفسه ، وهكذا احتج بها أصحابنا المتكلمون المعتزلة في إثبات كلام الله ، وهو غلط ، لأن التأكيد بالمصدر إنما يرفع التجوز عن الفعل نفسه لا عن الفاعل فإذا قلت : قام زيد قياما ، فالأصل قام زيد قام زيد ، فإن أردت تأكيد الفاعل أتيت بالنفس ، وهاهنا إنما أكد الفعل ، ولو قصد تأكيد الفاعل لقال : وكلم الله نفسه موسى ، فلا حجة فيه إذن عليهم .

السادس : في الفرق بين الترادف والتأكيد : أن المؤكد يقوي المؤكد ، وهو اللفظ الأول كقولنا : جاء زيد نفسه ، بخلاف الترادف ، فإن كل واحد منهما يدل على المعنى بمجرده ، والتأكيد تقوية مدلول ما ذكر بلفظ آخر مستقل ليخرج التابع والفرق بينه وبين التابع قد سبق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث