الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل

وجرت عادة القوم : أن يذكروا في هذا المقام قوله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ، حين أراه ما أراه : ما زاغ البصر وما طغى و أبو القاسم القشيري صدر باب الأدب بهذه الآية . وكذلك غيره .

وكأنهم نظروا إلى قول من قال من أهل التفسير : إن هذا وصف لأدبه صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام . إذ لم يلتفت جانبا . ولا تجاوز ما رآه . وهذا كمال الأدب . والإخلال به : أن يلتفت الناظر عن يمينه وعن شماله ، أو يتطلع أمام المنظور . فالالتفات زيغ . والتطلع إلى ما أمام المنظور : طغيان ومجاوزة . فكمال إقبال الناظر على المنظور : أن لا يصرف بصره عنه يمنة ولا يسرة . ولا يتجاوزه .

هذا معنى ما حصلته عن شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه .

وفي هذه الآية أسرار عجيبة . وهي من غوامض الآداب اللائقة بأكمل البشر صلى الله عليه وسلم : تواطأ هناك بصره وبصيرته . وتوافقا وتصادقا فيما شاهده بصره . فالبصيرة مواطئة له . وما شاهدته بصيرته فهو أيضا حق مشهود بالبصر . فتواطأ في حقه مشهد البصر والبصيرة .

[ ص: 362 ] ولهذا قال سبحانه وتعالى : ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى أي ما كذب الفؤاد ما رآه ببصره .

ولهذا قرأها أبو جعفر : ما كذب الفؤاد ما رأى - بتشديد الذال - أي لم يكذب الفؤاد البصر . بل صدقه وواطأه . لصحة الفؤاد والبصر . أو استقامة البصيرة والبصر . وكون المرئي المشاهد بالبصر والبصيرة حقا . وقرأ الجمهور ما كذب الفؤاد بالتخفيف . وهو متعد . و : ما رأى مفعوله : أي ما كذب قلبه ما رأته عيناه . بل واطأه ووافقه . فلمواطأة قلبه لقالبه ، وظاهره لباطنه . وبصره لبصيرته : لم يكذب الفؤاد البصر . ولم يتجاوز البصر حده فيطغى . ولم يمل عن المرئي فيزيغ ، بل اعتدل البصر نحو المرئي . ما جاوزه ولا مال عنه ، كما اعتدل القلب في الإقبال على الله ، والإعراض عما سواه . فإنه أقبل على الله بكليته . وللقلب زيغ وطغيان . وكلاهما منتف عن قلبه وبصره . فلم يزغ قلبه التفاتا عن الله إلى غيره . ولم يطغ بمجاوزته مقامه الذي أقيم فيه .

وهذا غاية الكمال والأدب مع الله الذي لا يلحقه فيه سواه .

فإن عادة النفوس ، إذا أقيمت في مقام عال رفيع : أن تتطلع إلى ما هو أعلى منه وفوقه . ألا ترى أن موسى - صلى الله عليه وسلم - لما أقيم في مقام التكليم والمناجاة : طلبت نفسه الرؤية ؟ ونبينا صلى الله عليه وسلم لما أقيم في ذلك المقام ، وفاه حقه : فلم يلتفت بصره ولا قلبه إلى غير ما أقيم فيه ألبتة ؟

ولأجل هذا ما عاقه عائق . ولا وقف به مراد ، حتى جاوز السماوات السبع حتى عاتب موسى ربه فيه . وقال : يقول بنو إسرائيل : إني كريم الخلق على الله . وهذا قد جاوزني وخلفني علوا . فلو أنه وحده ؟ ولكن معه كل أمته . وفي رواية البخاري فلما جاوزته بكى . قيل : ما يبكيك ؟ قال : أبكي أن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي . ثم جاوزه علوا فلم تعقه إرادة . ولم تقف به دون كمال العبودية همة .

[ ص: 363 ] ولهذا كان مركوبه في مسراه يسبق خطوه الطرف . فيضع قدمه عند منتهى طرفه ، مشاكلا لحال راكبه ، وبعد شأوه ، الذي سبق العالم أجمع في سيره ، فكان قدم البراق لا يختلف عن موضع نظره . كما كان قدمه صلى الله عليه وسلم لا يتأخر عن محل معرفته .

فلم يزل صلى الله عليه وسلم في حفارة كمال أدبه مع الله سبحانه ، وتكميل مراتب عبوديته له ، حتى خرق حجب السماوات ، وجاوز السبع الطباق . وجاوز سدرة المنتهى . ووصل إلى محل من القرب سبق به الأولين والآخرين . فانصبت إليه هناك أقسام القرب انصبابا . وانقشعت عنه سحائب الحجب ظاهرا وباطنا حجابا حجابا . وأقيم مقاما غبطه به الأنبياء والمرسلون . فإذا كان في المعاد أقيم مقاما من القرب ثانيا ، يغبطه به الأولون والآخرون . واستقام هناك على صراط مستقيم من كمال أدبه مع الله ، ما زاغ البصر عنه وما طغى . فأقامه في هذا العالم على أقوم صراط من الحق والهدى . وأقسم بكلامه على ذلك في الذكر الحكيم ، فقال تعالى : يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم فإذا كان يوم المعاد أقامه على الصراط يسأله السلامة لأتباعه وأهل سنته ، حتى يجوزوه إلى جنات النعيم . وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . والله ذو الفضل العظيم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث