الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى : ( ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون ( 14 ) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون ( 15 ) )

يقول - تعالى ذكره - : ويوم تجيء الساعة التي يحشر فيها الخلق إلى الله يومئذ ، يقول في ذلك اليوم ( يتفرقون ) يعني : يتفرق أهل الإيمان بالله ، وأهل الكفر به ، فأما أهل الإيمان ، فيؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة ، وأما أهل الكفر فيؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار ، فهنالك يميز الله الخبيث من الطيب .

كما حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة في قوله : ( ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون ) قال : فرقة والله ، لا اجتماع بعدها ( فأما الذين آمنوا ) بالله ورسوله ( وعملوا الصالحات ) يقول : وعملوا بما أمرهم الله به ، وانتهوا عما نهاهم عنه ( فهم في روضة يحبرون ) يقول : فهم في الرياحين والنباتات الملتفة ، وبين أنواع الزهر في الجنان يسرون ، ويلذذون بالسماع وطيب العيش الهني ، وإنما خص جل ثناؤه ذكر الروضة في هذا الموضع ، لأنه لم يكن عند الطرفين أحسن منظرا ، ولا أطيب نشرا من الرياض ، ويدل على أن ذلك كذلك قول أعشى بني ثعلبة :


ما روضة من رياض الحسن معشبة خضراء جاد عليها مسبل هطل     يضاحك الشمس منها كوكب شرق
مؤزر بعميم النبت مكتهل     يوما بأطيب منها نشر رائحة
ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل

[ ص: 82 ]

فأعلمهم بذلك تعالى ، أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات من المنظر الأنيق ، واللذيذ من الأراييح ، والعيش الهني فيما يحبون ، ويسرون به ، ويغبطون عليه . و ( الحبرة ) عند العرب : السرور والغبطة ، قال العجاج :


فالحمد لله الذي أعطى الحبر     موالي الحق إن المولى شكر



واختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك : فهم في روضة يكرمون .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : ( فهم في روضة يحبرون ) قال : يكرمون .

وقال آخرون : معناه : ينعمون .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : ( يحبرون ) قال : ينعمون .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة في قوله : ( فهم في روضة يحبرون ) قال : ينعمون .

وقال آخرون : يلذذون بالسماع والغناء .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن موسى الحرسي قال : ثني عامر بن يساف قال : سألت يحيى بن أبي كثير ، عن قول الله : ( فهم في روضة يحبرون ) قال : الحبرة : اللذة والسماع . [ ص: 83 ]

حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي قال : ثنا ضمرة بن ربيعة ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير في قوله : ( يحبرون ) قال : السماع في الجنة .

حدثنا ابن وكيع قال : ثنا عيسى بن يونس ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير مثله .

حدثنا ابن وكيع قال : ثنا أبي ، عن عامر بن يساف ، عن يحيى بن أبي كثير مثله .

وكل هذه الألفاظ التي ذكرنا عمن ذكرناها عنه تعود إلى معنى ما قلنا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث