الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القسم الأول التوكيد الصناعي

القسم الأول : التوكيد الصناعي

وهو قسمان : لفظي ومعنوي ، فاللفظي : تقرير معنى الأول بلفظه أو مرادفه ؛ فمن المرادف : فجاجا سبلا ( الأنبياء : 31 ) ، ( ضيقا حرجا ) ( الأنعام : 125 ) في قراءة كسر الراء . وغرابيب سود ( فاطر : 27 ) . وجعل الصفار منه قوله - تعالى - : فيما إن مكناكم فيه ( الأحقاف : 26 ) على القول بأن كلاهما للنفي .

واللفظي : يكون في الاسم النكرة بالإجماع ، نحو : قوارير قوارير ( الإنسان : 15 و 16 ) وجعل ابن مالك وابن عصفور منه : دكا دكا ( الفجر : 21 ) و صفا صفا ( الفجر : 22 ) وهو مردود ؛ لأنه جاء في التفسير أن معنى ( دكا دكا ) [ دكا ] ( الفجر : 21 ) بعد دك ، وأن الدك كرر عليها حتى صار هباء منثورا ، وأن معنى صفا صفا أنه تنزل ملائكة كل سماء يصطفون صفا بعد صف ، محدقين بالإنس والجن . وعلى هذا فليس الثاني منهما تكرارا للأول ؛ بل المراد به التكثير ؛ نحو : جاء القوم رجلا رجلا ، وعلمته الحساب بابا بابا .

وقد ذكر ابن جني في قوله - تعالى - : إذا وقعت الواقعة ( الواقعة : 1 ) ، إذا رجت ( الواقعة : 4 ) أن ( رجت ) بدل من ( وقعت ) ، وكررت ( إذا ) تأكيدا لشدة امتزاج المضاف بالمضاف إليه .

ويكون في اسم الفعل كقوله - تعالى - : هيهات هيهات لما توعدون ( المؤمنون : 36 ) وفي الجملة ، نحو : فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ( الانشراح : 5 و 6 ) [ ص: 487 ] ولكون الجملة الثانية للتوكيد سقطت من مصحف ابن مسعود ، ومن قراءته . والأكثر فصل الجملتين بـ " ثم " كقوله : وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ( الانفطار : 17 و 18 ) ، كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون ( التكاثر : 3 و 4 ) .

يكون في المجرور كقوله : وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ( هود : 108 ) والأكثر فيه اتصاله بالمذكور .

وزعم الكوفيون أنه لا يجوز الفصل بين التوكيد المؤكد ، قال الصفار في شرح سيبويه : والسماع يرده قال - تعالى - : وهم بالآخرة هم كافرون ( هود : 19 ) فإن " هم " الثانية تأكيد للأولى . وقوله : وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ( هود : 108 ) وقوله : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ( البقرة : 89 ) ألا ترى أن قبله ولما جاءهم كتاب ( البقرة : 89 ) فأكد ( لما ) وبينهما كلام ، وأصله : يستفتحون على الذين كفروا ( البقرة : 89 ) فكرر للطول الذي بين " لما " وجوابها . وقوله : أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون ( المؤمنون : 35 ) في أحد القولين لأنه أكد " أن " بعد ما فصل .

وقوله - تعالى - : إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين ( الجاثية : 3 ) .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ريب أنهم اجتمعوا في الهلاك ، وإن قوم موسى اجتمعوا في النجاة .

ومنه قوله - تعالى - حكاية عن يوسف : وأتوني بأهلكم أجمعين ( يوسف : 93 ) فلم يرد بهذا أن يجتمعوا عنده ، وإن جاءوا واحدا بعد واحد ؛ وإنما أراد اجتماعهم في المعنى إليه ، وألا يتخلف منهم أحد ، وهذا يعلم من السياق والقرينة .

ومن القرينة الدالة على ذلك في قصة الملائكة لفظا ومعنى أن قوله : كلهم ( الحجر : 30 ) [ ص: 488 ] يفيد الشمول والإحاطة ، فلا بد أن يفيد ( أجمعون ) قدرا زائدا على ذلك ، وهو اجتماعهم في السجود ؛ وأما المعنى فلأن الملائكة لم تكن ليتخلف أحد منهم عن امتثال الأمر ولا يتأخر عنده ، ولا سيما وقد وقت لهم بوقت وحد لهم بحد ، وهو التسوية ونفخ الروح ، فلما حصل ذلك سجدوا كلهم عن آخرهم في آن واحد ، ولم يتخلف منهم أحد ؛ فعلى هذا يخرج كلام المبرد الزمخشري .

وما نقل عن بعض المتكلمين أن السجود لم يستعمل على الكل بدليل قوله : أأستكبرت أم كنت من العالين ( ص : 75 ) مردود ؛ بل " العالون " المتكبرون ؛ وفي رسائل إخوان الصفاء أن العالين هم العقول العاقة التي لم تسجد ، وهذا تحريف ، ولم يقم دليل على إثبات العقول التي تدعيها الفلاسفة .

[ ص: 489 ] ووقع خلاف في أن إبليس من الملائكة أم لا ؟ والتحقيق أنه ليس منهم عنصرا ، ففي صحيح مسلم : خلقت الملائكة من نور ، وخلقت الجان من النار ، وخلق آدم مما وصف لكم وهو منهم حكما لدخوله في الخطاب بالأمر بالسجود معهم ، ولو كان من غيرهم لم يدخل معهم .

وأما قوله : إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين ( الحجر : 59 ) فلم يذكر قبله ( ( كلهم ) ) لما لم يكن المراد كل واحد واحد من الآية لم تحسن الزيادة في التأكيد ، بدليل الاستثناء بعده من قوله : إلا امرأته ( الحجر : 60 ) .

[ ص: 490 ] ومنها قصد تحقيق المخبر به كقوله - تعالى - : إني جاعل ( البقرة : 30 ) فأكد بإن وباسم الفاعل ؛ مع أنهم ليسوا بشاكين في الخبر .

ومثله : إنك ميت وإنهم ميتون ( الزمر : 30 ) . وقال حاكيا عن نوح : إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ( نوح : 27 ) .

ومنها قصد إغاظة السامع بذلك الخبر ؛ كقوله : إنك لمن المرسلين ( يس : 3 ) .

ومنها ؛ الترغيب كقوله : فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ( البقرة : 54 ) أكده بأربع تأكيدات ، وهي : إن ، وضمير الفصل ، والمبالغتان مع الصفتين له ، ليدل على ترغيب الله العبد في التوبة ، فإنه إذا علم ذلك طمع في عفوه ، وقوله : لا تحزن إن الله معنا ( التوبة : 40 ) .

ومنها ؛ الإعلام بأن المخبر به كله من عند المتكلم كقوله : فإما يأتينكم مني هدى ( البقرة : 38 ) دون الاقتصار على ( يأتينكم هدى ) قال المفسرون : فيه إشارة إلى أن الخير كله منه .

وعليه قوله : قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور ( يونس : 57 ) ، قد جاءكم برهان من ربكم ( النساء : 174 ) .

ومنها ؛ التعريض بأمر آخر ، كقوله - تعالى - : رب إني ظلمت نفسي ( القصص : 16 ) وقول موسى : رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ( القصص : 24 ) وقوله - تعالى - : قالت رب إني وضعتها أنثى ( آل عمران : 36 ) تعريضا بسؤال قبولها فإنها كانت تطلب للنذر ذكرا .

تنبيهان

الأول : قالوا : إنما يؤتى به للحاجة للتحرز عن ذكر ما لا فائدة له ، فإن كان المخاطب ساذجا ألقي إليه الكلام خاليا عن التأكيد ، وإن كان مترددا فيه حسن تقويته بمؤكد ، وإن كان منكرا وجب تأكيده . ويراعى في القوة والضعف بحسب حال المنكر ؛ كما في قوله - تعالى - [ ص: 491 ] عن رسل عيسى : ربنا يعلم ( يس : 16 ) الآية ، وذلك أن الكفار نفوا رسالتهم بثلاثة أشياء ؛ أحدها : قولهم ما أنتم إلا بشر مثلنا ( يس : 15 ) والثاني : قولهم : وما أنزل الرحمن من شيء ( يس : 15 ) والثالث : قولهم : إن أنتم إلا تكذبون ( يس : 15 ) فقوبلوا على نظيره بثلاثة أشياء ؛ أحدها : قولهم : ربنا يعلم ( يس : 16 ) ووجه التأكيد فيه أنه في معنى قسم ، و الثاني : قوله : إنا إليكم لمرسلون ( يس : 16 ) والثالث : قوله - تعالى - : وما علينا إلا البلاغ المبين ( يس : 17 ) .

وقد ينزل المنكر كغير المنكر ، وعكسه ، وقد اجتمعا في قوله - تعالى - : ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ( المؤمنون : 15 و 16 ) أكدت الأمانة تأكيدين وإن لم ينكروا ، لتنزيل المخاطبين لتماديهم في الغفلة منزلة من ينكر الموت ، وأكد إثبات البعث تأكيدا واحدا وإن كان أكثر ؛ لأنه لما كانت أدلته ظاهرة كان جديرا بألا يتكرر ويتردد فيه ، حثا لهم على النظر في أدلته الواضحة .

الثاني : قال التنوخي في أقصى القريب : إذا قصدوا مجرد الخبر أتوا بالجملة الفعلية ، وإن أكدوا فبالاسمية ، ثم بإن ، ثم بها ، وباللام . وقد تؤكد الفعلية بقد ، وإن احتيج بأكثر جيء بالقسم مع كل من الجملتين ؛ وقد تؤكد الاسمية باللام فقط ؛ نحو : لزيد قائم ، وقد تجيء مع الفعلية مضمرة بعد اللام ، وحاصله أن الخطاب على درجات : قام زيد ، ثم لقد قام . فإنه جعل الفعلية كأنها دون الاسمية - ثم إن زيدا قائم ، ولزيد قائم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث