الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 370 ] فصل

قال صاحب " المنازل " :

الأدب : حفظ الحد ، بين الغلو والجفاء ، بمعرفة ضرر العدوان .

هذا من أحسن الحدود . فإن الانحراف إلى أحد طرفي الغلو والجفاء : هو قلة الأدب . والأدب : الوقوف في الوسط بين الطرفين ، فلا يقصر بحدود الشرع عن تمامها . ولا يتجاوز بها ما جعلت حدودا له . فكلاهما عدوان . والله لا يحب المعتدين . والعدوان : هو سوء الأدب .

وقال بعض السلف : دين الله بين الغالي فيه والجافي عنه .

فإضاعة الأدب بالجفاء : كمن لم يكمل أعضاء الوضوء . ولم يوف الصلاة آدابها التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعلها . وهي قريب من مائة أدب : ما بين واجب ومستحب .

وإضاعته بالغلو : كالوسوسة في عقد النية . ورفع الصوت بها . والجهر بالأذكار والدعوات التي شرعت سرا . وتطويل ما السنة تخفيفه وحذفه . كالتشهد الأول والسلام الذي حذفه سنة . وزيادة التطويل على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لا على ما يظنه سراق الصلاة والنقارون لها ويشتهونه . فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليأمر بأمر ويخالفه . وقد صانه الله من ذلك . وكان يأمرهم بالتخفيف ويؤمهم بالصافات ، ويأمرهم بالتخفيف وتقام صلاة الظهر ، فيذهب الذاهب إلى البقيع ، فيقضي حاجته . ويأتي أهله ويتوضأ . ويدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى . فهذا هو التخفيف الذي أمر به . لا نقر الصلاة وسرقها . فإن ذلك اختصار ، بل اقتصار على ما يقع عليه الاسم . ويسمى به مصليا ، وهو كأكل المضطر في المخمصة ما يسد به رمقه : فليته شبع على القول الآخر ، وهو كجائع قدم إليه طعام لذيذ جدا . فأكل منه لقمة أو لقمتين . فماذا يغنيان عنه ؟ ولكن لو أحس بجوعه لما قام من الطعام حتى يشبع منه وهو يقدر على ذلك . لكن القلب شبعان من شيء آخر .

ومثال هذا التوسط في حق الأنبياء عليهم السلام : أن لا يغلو فيهم ، كما غلت النصارى في المسيح ، ولا يجفو عنهم ، كما جفت اليهود . فالنصارى عبدوهم . واليهود قتلوهم وكذبوهم . والأمة الوسط : آمنوا بهم ، وعزروهم ونصروهم ، واتبعوا ما جاءوا به .

[ ص: 371 ] ومثال ذلك في حقوق الخلق : أن لا يفرط في القيام بحقوقهم ، ولا يستغرق فيها ، بحيث يشتغل بها عن حقوق الله ، أو عن تكميلها ، أو عن مصلحة دينه وقلبه ، وأن لا يجفو عنها حتى يعطلها بالكلية . فإن الطرفين من العدوان الضار . وعلى هذا الحد ، فحقيقة الأدب : هي العدل . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث