الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل

قال : الدرجة الثالثة حق اليقين . وهو إسفار صبح الكشف . ثم الخلاص من كلفة اليقين . ثم الفناء في حق اليقين .

اعلم أن هذه الدرجة لا تنال في هذا العالم إلا للرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . فإن نبينا صلى الله عليه وسلم رأى بعينه الجنة والنار ، وموسى عليه السلام سمع كلام الله منه إليه بلا واسطة ، وكلمه تكليما . وتجلى للجبل وموسى ينظر ، فجعله دكا هشيما .

نعم يحصل لنا حق اليقين من مرتبة ، وهي ذوق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من حقائق الإيمان ، المتعلقة بالقلوب وأعمالها . فإن القلب إذا باشرها وذاقها صارت في حقه حق يقين .

وأما في أمور الآخرة والمعاد ، ورؤية الله جهرة عيانا ، وسماع كلامه حقيقة بلا واسطة - فحظ المؤمن منه في هذه الدار : الإيمان . وعلم اليقين . وحق اليقين : يتأخر إلى وقت اللقاء .

ولكن لما كان السالك عنده ينتهي إلى الفناء . ويتحقق شهود الحقيقة . ويصل إلى عين الجمع ، قال : حق اليقين : هو إسفار صبح الكشف .

يعني : تحققه وثبوته ، وغلبة نوره على ظلمة ليل الحجاب . فينتقل من طور العلم إلى الاستغراق في الشهود بالفناء عن الرسم بالكلية .

وقوله : ثم الخلاص من كلفة اليقين .

يعني : أن اليقين له حقوق يجب على صاحبه أن يؤديها . ويقوم بها ، ويتحمل كلفها ومشاقها . فإذا فني في التوحيد حصل له أمور أخرى رفيعة عالية جدا . يصير فيها محمولا ، بعد أن كان حاملا ، وطائرا بعد أن كان سائرا ، فتزول عنه كلفة حمل تلك الحقوق . بل يبقى له كالنفس ، وكالماء للسمك . وهذا أمر التحاكم فيه إلى الذوق والإحساس . فلا تسرع إلى إنكاره .

وتأمل حال ذلك الصحابي الذي أخذ تمراته . وقعد يأكلها على حاجة وجوع وفاقة إليها . فلما عاين سوق الشهادة قامت . ألقى قوته من يده ، وقال : إنها لحياة طويلة ، [ ص: 381 ] إن بقيت حتى آكل هذه التمرات . وألقاها من يده ، وقاتل حتى قتل ، وكذلك أحوال الصحابة رضي الله عنهم . كانت مطابقة لما أشار إليه .

لكن بقيت نكتة عظيمة ، وهي موضع السجدة ، وهي أن فناءهم لم يكن في توحيد الربوبية ، وشهود الحقيقة التي يشير إليها أرباب الفناء بل في توحيد الإلهية . ففنوا بحبه تعالى عن حب ما سواه . وبمراده منهم عن مرادهم وحظوظهم . فلم يكونوا عاملين على فناء . ولا الاستغراق في الشهود . بحيث يفنون به عن مراد محبوبهم منهم ، بل قد فنوا بمراده عن مرادهم . فهم أهل بقاء في فناء ، وفرق في جمع . وكثرة في وحدة . وحقيقة كونية في حقيقة دينية .

هم القوم . لا قوم إلا هم ولولاهم ما اهتدينا السبيلا فنسبة أحوال من بعدهم الصحيحة الكاملة إلى أحوالهم : كنسبة ما يرشح من الظرف والقربة إلى ما في داخلها .

وأما الطريق المنحرفة الفاسدة : فسبيل غير سبيلهم ، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء . والله ذو الفضل العظيم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث