الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان حكم الحيض والنفاس

جزء التالي صفحة
السابق

ص ( فصل الحيض دم كصفرة أو كدرة ) .

ش قال في التوضيح ، قال ابن بشير : والمشهور أن الصفرة والكدرة حيض ، وقد قيل إنها لغو ، وقيل : إن [ ص: 365 ] كانت في أيام الحيض فهي حيض وإلا فهي استحاضة وقال ابن راشد لا خلاف أن الصفرة والكدرة حيض ما لم تر ذلك عقيب طهرها ، فإن لم يمض من الزمان ما يكون طهرا فقال ابن الماجشون : إن رأت عقيب طهرها قطرة دم كالغسالة لم يجب عليها غسل ، وإنما يجب عليها الوضوء لقول أم عطية : كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا ، انتهى .

وظاهر كلامه أن قول ابن الماجشون مخالف للمشهور وبهذا صدر ابن عرفة وحكاه عن اللخمي أيضا وحكى عن الباجي والمازري أنهما جعلا قول ابن الماجشون هو المذهب ونصه : وفي كون الصفرة والكدرة حيضا مطلقا ، أو ما لم يكونا بعد اغتسال قبل تمام طهر قولان لظاهر التلقين مع الجلاب والمدونة وابن الماجشون موجبا منه الوضوء وجعله الباجي والمازري المذهب واللخمي خلاف المدونة أبو محمد في كونهما حيضا مطلقا ، وإن كان في حيض ، أو استظهار وفي غيرهما استحاضة روايتان لها ، أو لعلي ، انتهى .

( قلت ) وقد اقتصر ابن يونس على قول ابن الماجشون فأوهم أنه المذهب ونصه : قال ابن حبيب قال ابن الماجشون : إذا اغتسلت لحيض ، أو نفاس ثم رأت قطرة دم ، أو غسالة دم لم تعد الغسل ولتتوضأ ، وهذا يسمى الترية ، انتهى .

وقال في الطراز : إذا جاءها بعد الغسل صفرة ، أو كدرة ، أو دم اختلف في ذلك فقال ابن الماجشون : لا تغتسل لذلك لحديث أم عطية ، وهذه تسمى الترية وفي الكتاب من رواية ابن وهب عن ابن شهاب أنها لا تصلي ما دامت ترى من الترية شيئا من حيض ، أو حمل وهو أقيس ; لأنه دم يرخيه الرحم عادة واعتبارا فإذا تمادى ، ولو يوما فإنها تلغي ذلك الطهر وتضم الدم الثاني للأول وما يكون حيضا إذا طال يكون حيضا إذا لم يطل ، انتهى باختصار ، ونقله في الذخيرة بقريب من هذا الاختصار وزاد يمكن حمل الحديث على أنها لا تعد طهرا ، انتهى .

فعلم أن قول ابن الماجشون خلاف الراجح ، وإن اقتصر عليه الباجي وابن يونس والمازري ولفظ المدونة قال ابن القاسم : وإذا رأت صفرة أو كدرة في أيام حيضتها ، أو في غيرها فهو حيض ، وإن لم تر معه دما ، والترية بتشديد التاء الفوقية وكسر الراء وتشديد الياء التحتية قاله في التنبيهات قال : وهي شبه الغسالة ، وقيل : هي الخرقة التي بها تعرف الحائض طهرها وقال الهروي : هي الحيض اليسير أقل من الصفرة وفي كتاب العين الترية ما رأت المرأة من صفرة ، أو بياض عند الحيض وقال أحمد بن المعدل : هي الدفعة من الحيض لا يتصل بها من الحيض ما يكون حيضة كاملة وقال الداودي : هي الماء المتغير دون الصفرة ، انتهى .

، والله أعلم .

ص ( خرج بنفسه )

ش : يخرج به دم النفاس ; لأنه بسبب الولادة ودم العذرة ; لأنه بسبب الافتضاض ودم الاستحاضة ; لأنه يخرج بسبب علة ، أو فساد في البدن وقول البساطي - رحمه الله - ليس في كلامه ما يخرج دم الاستحاضة ليس بظاهر قال في التوضيح وأخرج بقوله بنفسه الخارج من النفاس ; لأنه بسبب الولادة أو بشيء كدم العذرة ، ومن ثم أجاب شيخنا لما سئل عن امرأة عالجت دم المحيض هل تبرأ من العدة بأن الظاهر أنها لا تحل وتوقف عن ترك الصلاة والصيام ؟ والظاهر على بحثه أن لا يتركا ، وإنما قال : الظاهر لاحتمال أن استعجاله لا يخرجه عن الحيض كإسهال البطن ، انتهى .

( قلت ) لا يلزم من إلغائه في باب العدة إلغاؤه في العبادة إذ لا ملازمة بين البابين فإن الدفعة حيض في باب العبادات ، وليست حيضا في باب العدة والفرق بين البابين أن المقصود في العدة براءة الرحم وإذا جعل له دواء لم يدل على البراءة لاحتمال أنه لم يأت إلا بالدواء ، وأما في باب العبادات فيحتمل أن لا يلغى بما قال إن استعجاله لا يخرجه عن كونه حيضا كإسهال البطن ، انتهى .

والله أعلم . ويحتمل أن يلغى ; لأنه لم يخرج بنفسه ، وهذا إذا جعل له دواء واستعجل به قبل أوانه ، وأما إذا [ ص: 366 ] تأخر عن وقته ، ولم يكن بالمرأة ريبة حمل فجعل له دواء ليأتي فالظاهر أنه حيض ; لأن تأخير الحيض إذا لم يكن حمل إنما يكون لمرض فإذا جعل دواء لرفع المرض لم يخرجه عن كونه حيضا ، وقد يتلمح ذلك من قول المصنف استعجاله فتأمله ، والله تعالى أعلم .

( تنبيه ) وعكس هذه المسألة إذا استعملت المرأة دواء لقطع الدم ورفعه فهل تصير طاهرة أم لا ؟ قال ابن فرحون في مناسكه في الكلام على طواف الإفاضة وما يفعله النساء من الأدوية لقطع الدم وحصول الطهر إن علمت أنه يقطع الدم اليوم ونحوه فلا يجوز لها ذلك إجماعا وحكمها حكم الحائض وإذا استدام انقطاعه نحو ثمانية أيام ، أو عشرة فقد صح طوافها إذا طافت في ذلك الطهر وإن عاودها في اليومين والثلاثة إلى الخمسة فقد طافت وهي محكوم لها بحكم الحيض فكأنها طافت مع وجود الدم .

ولم أر نصا في جواز الإقدام على ذلك إذا كانت جاهلة بتأثيره في الدم ثم ذكر كلام الشيخ خليل في التوضيح المتقدم ثم قال عقبه : فعلى بحثه في أن استعجاله لا يؤثر فينبغي أن رفعه لا يؤثر لا سيما إذا عاودها بقرب ذلك .

وقال ابن رشد : سئل مالك عن المرأة تخاف تعجيل الحيض فيوصف لها شراب تشربه لتأخير الحيض قال : ليس ذلك بصواب وكرهه قال ابن رشد : إنما كرهه مخافة أن تدخل على نفسها ضررا بذلك في جسمها ، انتهى .

فانظر هل هذا مثل الأدوية التي تقطع الدم بعد وجوده أو لا ؟ وهو الظاهر فإن المرأة بعد إتيان الدم محكوم عليها بأنها حائض ولا يزول حكمه إلا بدوام انقطاعه أقل مدة ما بين الدمين فتأمله ، انتهى كلامابن فرحون ، وحاصله أنها إن علمت أن الدم إنما يرتفع اليوم ونحوه فلا يجوز لها الإقدام على ذلك ، ولا تطهر بذلك ، وإن عاودها بعد اليومين والثلاثة إلى الخمسة فحكمها حكم الحائض لا يصح طوافها .

وإن كان ارتفاعه يستديم عشرة أيام ، أو ثمانية صح طوافها ، وإن جهلت تأثيره في رفع الدم فلم نر نصا في جواز الإقدام على ذلك وما ذكره عن ابن رشد وهو في رسم مرض من سماع ابن القاسم من كتاب الحج وفي أول السؤال سئل عن المرأة تريد العمرة وتخاف تعجيل الحيض إلخ وقول ابن فرحون انظر هل هذا مثل الأدوية التي تقطع الدم بعد وجوده أو لا ؟ وهو الظاهر ليس بظاهر بل الذي يظهر من كلام ابن رشد أن الحكم واحد قال في أواخر كتاب الجامع من البيان ، قال ابن كنانة يكره ما بلغني أن يصنعه يتعجلن به الطهر من الحيض من شراب الشجر والتعالج بها وبغيره قال ابن رشد : المعنى في كراهة ذلك ما يخشى أن تدخل على نفسها من الضرر بجسمها بشرب الدواء الذي قد يضرها ، انتهى .

فعلم من كلام ابن رشد أنه ليس في ذلك إلا الكراهة خوف ضرر جسمها ، ولو كان ذلك لا يحصل به الطهر لبينه ، ابن رشد .

وأما قوله أنه إذا عاودها فيما دون الخمسة فحكمها حكم الحائض فكأنه يريد أن الخمسة أقل الطهر على قول ابن الماجشون ، ولم يقل أحد أن ما دونها طهر وأن ما بين الدمين إذا كان أقل من أيام الطهر فحكمه حكم أيام الحيض ، وهذا خلاف المذهب فإن المذهب أنه إذا انقطع الطهر تلفق أيام الدم وتلغي أيام الطهر وتكون فيها طاهرا حقيقة قال في المدونة : وتتطهر في أيام الطهر التي كانت تأخذها عند انقطاع الدم وتصلي ويأتيها زوجها ، انتهى من تهذيب البراذعي ولفظ الأم : والأيام التي كانت تلغيها فيما بين الدم التي كانت لا ترى فيها دما تصلي فيها ويأتيها زوجها وتصومها وهي فيها طاهر ، وليست تلك الأيام بطهر تعتد به في عدة من طلاق ; لأن الذي قبل تلك الأيام من الدم والذي بعد تلك الأيام قد أضيف بعضه إلى بعض فجعل حيضة واحدة وكان ما بين ذلك من الطهر ملغى ، انتهى باللفظ ، وكذلك نقلها صاحب الطراز وذكر أنه اختلف في وجوب غسلها .

وإن قلنا : إنه ليس بحيض قال ابن الحاجب : وتغتسل كلما انقطع وتصوم وتوطأ وقال ابن عرفة : والدم ينقطع [ ص: 367 ] بطهر غير تام المشهور كمتصل تغتسل كلما انقطع فتطهر حقيقة وقال في الإرشاد : وتغتسل وتصلي وتصوم أيام انقطاعه ، ولا توطأ قال الشيخ زروق في شرحه : قوله لا توطأ خلاف المعروف من المذهب بل لم يقف عليه في هذه بخصوصها ، انتهى .

( تنبيه ) نصوص المذهب التي ذكرناها وغيرها صريحة في أن صومها صحيح مجزئ وقال الرجراجي : هو مشكل ، ولم أر نصا صريحا ولكن ظاهر المذهب صحته والذي أراه أن الصوم في ذمتها بيقين فلا تبرأ منه إلا بيقين ، انتهى .

بالمعنى وما قاله مخالف لكلام أهل المذهب ، والله أعلم .

ص ( من قبل من تحمل عادة )

ش : احترز بقوله : من قبل ، مما يخرج من الدبر أو غيره فإنه ليس حيضا وبقوله : من تحمل عادة ، من الصغيرة واليائسة . أما الصغيرة فقال ابن الحاجب : فدم بنت ست ونحوها ليس بحيض وقال ابن عرفة : فيخرج دم بنت سبع ونحوها وقال البساطي : اختلف في انتهاء الصغر فقال تسع ، وقيل : بأولها ، وقيل : بوسطها ، وقيل : بآخرها ، انتهى .

وقال صاحب الطراز : كلامه في المدونة يقتضي أنه لا يحكم للدم بأنه حيض إلا إذا كان في أوان البلوغ بمقدمات وأمارات من نفور الثدي ونبات شعر العانة وعرق الإبط وشبهه فأما بنت خمس وشبهها إذا رأت دما فإنما يكون من بواسير وشبهها ، وليس بحيض وسن النساء قد يختلف في البلوغ قال الشافعي : أعجل من سمعت النساء يحضن نساء تهامة يحضن لتسع سنين ورأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة فالواجب أن يرجع في ذلك إلى ما يعرفه النساء فهن على الفروج مؤتمنات ، فإن شككن أخذ في ذلك بالأحوط ، انتهى .

وأما الآيسة فاختلف في ابتداء سن اليأس فقال ابن شعبان : خمسون ، قال ابن عرفة : ولم يحك الباجي غيره قال الأبي في شرح مسلم : وهو المعروف في سنها ووجه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابنة خمسين عجوز في الغابرين وقول عائشة رضي الله عنها : قل امرأة تجاوز خمسين فتحيض إلا أن تكون قرشية وقال ابن شاس : سبعون وقال في التوضيح وقال ابن رشد : والستون وقال ابن حبيب : يسأل النساء وروي عن مالك وقال الأبي : وفي المدونة بنت السبعين آيس وغيرها يسأل النساء .

( تنبيه ) قال في التوضيح : وما ذكره ابن الحاجب يعني في الصغيرة والآيسة بقوله ليس بحيض متفق عليه في الصغيرة ، وأما الآيسة فكذلك أيضا بالنسبة إلى العدة ; لأن الله تعالى جعل عدتها ثلاثة أشهر واختلف في العبادة والمشهور كما قال ، ولذا قال ابن القاسم : إذا انقطع هذا الدم لا غسل عليها وروى ابن المواز عن مالك أنها تترك الصلاة والصوم وعليه فيجب عليها الغسل عند انقطاعه وبذلك صرح ابن حبيب ، انتهى .

وظاهر كلامه أن الخلاف في غسلها مفرع على الخلاف في كونه حيضا أم لا وظاهر كلام ابن عرفة خلافه فإنه قال : وكون دمها حيضا في العبادات قولا الصقلي عن أشهب مع الشيخ عن رواية محمد وقول ابن حبيب معها وعليه في وجوب الغسل لانقطاعه قولا ابن حبيب وابن القاسم ، انتهى .

ونحوه لابن ناجي في شرح المدونة وكلام ابن يونس يوافق كلام ابن عرفة .

ص ( وإن دفعة )

ش : قال في الصحاح : الدفعة من المطر وغيره بالضم مثل الدفقة والدفعة بالفتح المرة الواحدة .

( قلت ) والمعنيان صحيحان ( فإن قلت ) أهل المذهب يقولون إن أقل الحيض غير محدود فالدفعة حيض وإذا كانت الدفعة حيضا ولا أقل من ذلك فالدفعة حد لأقله فالجواب أن المراد أن أقله لا حد له بالزمان .

( تنبيه ) الدفعة حيض ، وليست حيضة إذ الحيضة ما يقع الاعتداد به في العدة والاستبراء ، قاله الرجراجي

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث