الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص "

القول في تأويل قوله تعالى : ( كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص ( 3 ) )

يقول - تعالى ذكره - : كثيرا أهلكنا من قبل هؤلاء المشركين من قريش الذين كذبوا رسولنا محمدا - صلى الله عليه وسلم - فيما جاءهم به من عندنا من الحق ( من قرن ) يعني : من الأمم الذين كانوا قبلهم ، فسلكوا سبيلهم في تكذيب رسلهم فيما أتوهم به من عند الله ( فنادوا ) يقول : فعجوا إلى ربهم وضجوا واستغاثوا بالتوبة إليه ، حين نزل بهم بأس الله وعاينوا به عذابه فرارا من عقابه ، وهربا من أليم عذابه ( ولات حين مناص ) يقول : وليس ذلك حين فرار ولا هرب من العذاب بالتوبة ، وقد حقت كلمة العذاب عليهم ، وتابوا حين لا تنفعهم التوبة ، واستقالوا في غير وقت الإقالة . وقوله ( مناص ) مفعل من النوص ، والنوص في كلام العرب : التأخر ، والمناص : المفر ، ومنه قول امرئ القيس :


أمن ذكر سلمى إذ نأتك تنوص فتقصر عنها خطوة وتبوص



[ ص: 143 ] يقول : أو تقدم . يقال من ذلك : ناصني فلان : إذا ذهب عنك ، وباصني : إذا سبقك ، وناض في البلاد : إذا ذهب فيها ، بالضاد . وذكر الفراء أن العقيلي أنشده :


إذا عاش إسحاق وشيخه لم أبل     فقيدا ولم يصعب علي مناض
ولو أشرفت من كفة الستر عاطلا     لقلت غزال ما عليه خضاض



والخضاض : الحلي .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن بشار قال : ثنا عبد الرحمن قال : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس في قوله ( ولات حين مناص ) قال : ليس بحين نزو ، ولا حين فرار .

حدثنا أبو كريب قال : ثنا ابن عطية قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي قال : قلت لابن عباس : أرأيت قول الله ( ولات حين مناص ) قال : ليس بحين نزو ولا فرار .

[ ص: 144 ] حدثنا ابن حميد قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن أبي إسحاق الهمداني عن التميمي قال : سألت ابن عباس : قول الله ( ولات حين مناص ) قال : ليس حين نزو ولا فرار .

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله ( ولات حين مناص ) قال : ليس حين نزو ولا فرار .

حدثني علي قال : ثنا عبد الله قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله ( ولات حين مناص ) يقول : ليس حين مغاث .

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن . قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : ( ولات حين مناص ) قال : ليس هذا بحين فرار .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( فنادوا ولات حين مناص ) قال : نادى القوم على غير حين نداء ، وأرادوا التوبة حين عاينوا عذاب الله فلم يقبل منهم ذلك .

حدثنا محمد بن الحسين قال : ثنا أحمد بن المفضل قال : ثنا أسباط عن السدي قوله ( ولات حين مناص ) قال : حين نزل بهم العذاب لم يستطيعوا الرجوع إلى التوبة ، ولا فرارا من العذاب .

حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد قال : سمعت الضحاك يقول في قوله ( فنادوا ولات حين مناص ) يقول : وليس حين فرار .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد ، في قوله ( ولات حين مناص ) ولات حين منجى ينجون منه ، ونصب حين في قوله ( ولات حين مناص ) تشبيها للات بليس ، وأضمر فيها اسم الفاعل .

وحكى بعض نحويي أهل البصرة الرفع مع لات في حين زعم أن بعضهم رفع " ولات حين مناص " فجعله في قوله ليس ، كأنه قال : ليس ، وأضمر الحين قال : وفي الشعر :

[ ص: 145 ]

طلبوا صلحنا ولات أوان     فأجبنا أن ليس حين بقاء



فجر " أوان " وأضمر الحين إلى أوان ، لأن لات لا تكون إلا مع الحين قال : ولا تكون لات إلا مع حين . وقال بعض نحويي الكوفة : من العرب من يضيف لات فيخفض بها ، وذكر أنه أنشد :

لات ساعة مندم

[ ص: 146 ] بخفض الساعة قال : والكلام أن ينصب بها ، لأنها في معنى ليس ، وذكر أنه أنشد :


    تذكر حب ليلى لات حينا
وأضحى الشيب قد قطع القرينا



قال : وأنشدني بعضهم :


طلبوا صلحنا ولات أوان     فأجبنا أن ليس حين بقاء



بخفض " أوان " قال : وتكون لات مع الأوقات كلها .

واختلفوا في وجه الوقف على قراءة : ( لات حين ) فقال بعض أهل العربية : الوقف عليه : ولات ، بالتاء ، ثم يبتدأ : حين مناص ، قالوا : وإنما هي " لا " التي بمعنى : " ما " ، وإن في الجحد وصلت بالتاء ، كما وصلت ثم بها ، فقيل : ثمت ، وكما وصلت رب فقيل : ربت .

وقال آخرون منهم : بل هي هاء زيدت في لا فالوقف عليها لاه ، لأنها هاء زيدت للوقف ، كما زيدت في قولهم :


العاطفونة حين ما من عاطف     والمطعمونة حين أين المطعم



[ ص: 147 ] فإذا وصلت صارت تاء . وقال بعضهم : الوقف على " لا " ، والابتداء بعدها : تحين ، وزعم أن حكم التاء أن تكون في ابتداء حين ، وأوان ، والآن ، ويستشهد لقيله ذلك بقول الشاعر :


نولى قبل يوم سبي جمانا     وصلينا كما زعمت تلانا



وأنه ليس هاهنا " لا " فيوصل بها هاء أو تاء ، ويقول : إن قوله ( لات حين ) إنما هي : ليس حين ، ولم توجد لات في شيء من الكلام .

[ ص: 148 ] والصواب من القول في ذلك عندنا : أن " لا " حرف جحد كما ، وإن وصلت بها تصير في الوصل تاء ، كما فعلت العرب ذلك بالأدوات ، ولم تستعمل ذلك كذلك مع " لا " المدة إلا للأوقات دون غيرها ، ولا وجه للعلة التي اعتل بها القائل : إنه لم يجد لات في شيء من كلام العرب ، فيجوز توجيه قوله ( ولات حين ) إلى ذلك ، لأنها تستعمل الكلمة في موضع ، ثم تستعملها في موضع آخر بخلاف ذلك ، وليس ذلك بأبعد في القياس من الصحة من قولهم : رأيت بالهمز ، ثم قالوا : فأنا أراه بترك الهمز لما جرى به استعمالهم ، وما أشبه ذلك من الحروف التي تأتي في موضع على صورة ، ثم تأتي بخلاف ذلك في موضع آخر للجاري من استعمال العرب ذلك بينها . وأما ما استشهد به من قول الشاعر : " وكما زعمت تلانا " ، فإن ذلك منه غلط في تأويل الكلمة ، وإنما أراد الشاعر بقوله :


وصلينا كما زعمت تلانا

وصلينا كما زعمت أنت الآن ، فأسقط الهمزة من أنت ، فلقيت التاء من زعمت النون من أنت ، وهي ساكنة ، فسقطت من اللفظ ، وبقيت التاء من أنت ، ثم حذفت الهمزة من الآن ، فصارت الكلمة في اللفظ كهيئة تلان ، والتاء الثانية على الحقيقة منفصلة من الآن ، لأنها تاء أنت . وأما زعمه أنه رأى في المصحف الذي يقال له الإمام - التاء متصلة ب " حين " ، فإن الذي جاءت به مصاحف المسلمين في أمصارها هو الحجة على أهل الإسلام ، والتاء في جميعها منفصلة عن حين ، فلذلك اخترنا أن يكون الوقف على الهاء في قوله ( ولات حين )

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث