الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المطلب الأول التعريف الإفرادي

المطلب الأول: التعريف الإفرادي:

1- تعريف الفقه:

أ- التعريف المعجمي:

قال ابن فارس: الفاء والقاف والهاء أصل واحد صحيح يدل على إدراك الشيء والعلم به [1] ، وذهب الراغب إلى أن الفقه أخص من العلم [2] . [ ص: 38 ]

وذهب الجوهري إلى أن الفقه هو الفهم، واستشهد لذلك بقول الأعرابي لعيسى بن عمر: "شهدت عليك بالفقه" [3] ووافقه الفيومي حيث قال: الفقه: هو الفهم مطلقا [4] . وجمع ابن منظور بين المعنيين السابقين حين قال: "الفقه العلم بالشيء والفهم له" [5] . وتفقه إذا تعاطى ذلك. وفاقهه باحثه في العلم [6] . [7]

وقال الجرجاني: الفقه في اللغة عبارة عن فهم غرض المتكلم من كلامه. [8]

يتبين من خلال الدلالات المعجمية السالفة أن الفقه يدور حول معنيين أساسيين، هما: الفهم، والعلم. وباقي المعاني هي تعميق لهما نحو القول الفقه هو الحذق في الفهم أو جمع بينهما نحو ما قاله ابن منظور الإفريقي.

ب - التعريف المصطلحي:

كانت تطـلق كلمـة الفقـه في العصر الأول على "معرفة النفس، ما لها وما عليها" [9] ، ثم تطور المصطلح إلى أن أصبح يطلق ويراد به المعنى [ ص: 39 ] الاصطلاحي المحدد الذي عرفه الأئمة الأربعة، وهو "العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية" [10] ، فهذا المعنى نشأ بعد تمايز العلوم [11] ، وعلل الأستاذ عبد الله الشرقاوي هذا التطور في مفهوم الفقه بقوله: "وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تأثير الواقع في تقييد مصطلح الفقه، مما يبين أنه واقعي بذاته، حيث خصص الفقه بالجانب العملي." [12]

لذلك يجب الإلماع أن إطلاق الفقه في هذا البحث إنما يقرب من الدلالة المعجمية أكثر من الدلالة الاصطلاحية.

2- تعريف التنـزيل:

أ - التعريف المعجمي:

النون والزاي واللام كلمة صحيحة تدل على هبوط الشيء ووقوعه، والتنـزيل: ترتيب الشيء ووضعه منـزله [13] ، وأنزله غيره واستنـزله بمعنى، ونزله تنـزيلا، والتنـزيل أيضا: الترتيب [14] ، وهناك من قال: أنزل كنـزل، وفرق جماعة من أرباب التحقيق فقالوا: التنـزيل: تدريجي، والإنزال: دفعي. [15] وقال الراغب: إن الفرق بين الإنزال والتنـزيل في وصف القرآن [ ص: 40 ] والملائكة أن التنـزيل يختص بالموضع الذي يشير إليه إنزاله مفرقا ومرة بعد أخرى، والإنزال عام، وقوله تعالى: ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) (الدخان:2) خص لفظ الإنزال دون التنـزيل، لما روي أن القرآن نزل دفعة واحدة إلى سماء الدنيا، ثم نزل نجما فنجما. [16]

فمن خلال هذه التعاريف المعجمية يمكن استخلاص المعاني الآتية:

المعنى الأول: الترتيب.

المعنى الثاني: وضعه منـزله.

المعنى الثالث: التدرج.

فكأن تعريف فقه التنـزيل معجميا على المستوى التركيبي هو العلم بالشيء وفهمه حتى نضعه بتدرج في مرتبته التي يستحقها.

ب - التعريف المصطلحي:

عند الإمام ابن تيمية:

عندما يطلق الإمام ابن تيمية هذا المصطلح فإنه يقصد به ثلاثة معان:

الأول: التنـزيل الذي هو اسم من أسماء القرآن.

الثاني: التنـزيل، بالمعنى اللغوي السالف الذكر .

الثالث: التنـزيل، بمعنى إيقاع الحكم. [ ص: 41 ]

أما التمثيل على الأول فهو نحو قوله: "وقال الإمام أبو بكر بن إسحاق ابن خزيمة في كتاب التوحيد باب ذكر البيان إن الله عز وجل في السماء كما أخبرنا في محكم تنـزيله وعلى لسان نبيه وكما هو مفهوم في فطر المسلمين، علماؤهم وجهالهم". [17]

وقوله كذلك في تفسير الآية ( ثم يحكم الله آياته ) (الحج:52): "أن الإحـكام تارة يكون في التنـزيل، فيكون في مقـابلة ما يلقيه الشيطان... وتارة يكون الإحكام في إبقاء التنـزيل عند من قابله بالنسخ". [18]

ومثال الثاني قوله، رحمه الله: "وإنما تنـزلنا هذا التنـزيل، لأنه قد يقال: إن نظر هذا قاصر، وليس اجتهاده قائما في هذه المسألة لضعف آلة الاجتهاد في حقه" [19] .

ومثـال الثالث، قوله: "ثـم يتفاضلون - أي الفقهـاء - بأن يسـبق أحدهم إلى أن يعرف هذا المعين الموجود هو المراد، أو مراد بهذا الاسـم. كمـا يسبق الفقيه إلى حـادثة فينـزل عليها كـلام الشارع أو كلام الفقهاء" [20] . [ ص: 42 ]

وقال أيضا: "لكن لابد أن يكون المفتي ممن يحسن [21] أن يضع الحوادث على القواعد وينـزلها عليها" [22] .

التعريف عند المعاصرين:

يعد الأستاذ عبد المجيد النجار أبرز من أطلق هذا المصطلح، وتجدر الإشارة أن أقواله مختلفة، والاختلاف في أقواله يتمثل في استعماله لمصطلحي التنـزيل والتطبيق على نحو ترادفي، ويبدو أنه استقر على مصطلح التطبيق، يدل على ذلك كتاباته في المنهج التطبيقي، التي جاءت بعد تلك التي تحدث فيها عن فقه التنـزيل.

ويعرف الأستاذ التنـزيل بقوله : "صيرورة الحقيقة الدينية، التي وقع تمثلها في مرحلة الفهم، إلى نمط عملي، تجري عليه حياة الإنسان في الواقع، عقيدة موجهة لجميع مناشط الإنسان، في وحدة وتناسق، وسلوكا فرديا واجتماعيا، ينبثق من تلك العقيدة، ليوجه حياة الإنسان في جميع شعابها، وجهة تكون فيها جارية وفق حقيقة الدين وهدايته" [23] .

ويلاحظ على هذا التعريف عدم انضباطه بشروط الصياغة العلمية للحدود الفقهية، فالحدود -كما هو معلوم- مبناها على الاختصار والإيجاز، لا الإطالة والإسهاب، لكن يلاحظ على تعريف الأستاذ الإطالة وإدخال [ ص: 43 ] عناصر أخرى لا تعد من صلب التعريف، حيث أدرج الغاية في التعريف، وذلك بقوله "ليوجه ..."، فلو كان من الضروري تصنيف قول الأستاذ لصنف شرحا لا تعريفا.

أما الأستاذ فريد الأنصاري فعرف التنـزيل بقوله: "وهو توقيع الحكم الشرعي المستفاد بالنص، أو بالاستنباط، بتحقيق مناطه على العموم أو على الخصوص" [24] .

يلاحظ على تعريف الأستاذ نوع من الإطالة، حيث كان بإمكانه حذف قيد المستفاد بالنص، أو بالاستنباط باعتبار أن كلا الطريقين يعطيان حكما شرعيا، كما أن المقام ليس مقام تعريف الحكم الشرعي، وإنما المقام مقام تعريف التنـزيل.

كما يلاحظ إدراج الأستاذ لأهم مقوم من مقومات فقه التنـزيل ضمن التعريف، ألا وهو: تحقيق المناط، لكنه ليس المقوم الوحيد، فحتى يكتمل التعريف يعتبر من الضروري إضافة قيد المآل.

ويعرف الأستاذ بلخير عثمان التنـزيل بقوله: النظر الشرعي لاستخلاص حكم شرعي يحكم أفعالا أو تصـرفات أو قضايا، مقترنا بحيثيات تلك الوقائع والنوازل [25] .

ويلاحظ على هذا التعريف الإطالة والإسهاب وعدم تحديد المصطلح بالدقة المرجوة. [ ص: 44 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث