الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
المطلب الثالث: تحقيق المناط بين القطع والظن:

تنقسـم أدلة وقوع الأحـكام باعتبار حصـول القطع أو الظن منها إلى قسمين:

1- ما يتحقق قطعا وتعلم أسباب وقوعه، كالعلم بطلوع الفجر، الذي هو مناط وجوب صلاة الصبح، والعلم بزوال الشمس، الذي هو مناط وجوب الظهر، فهذا القسم من أدلة الوقوع قطعي، لاستناده إلى أدلة قطعية، كالحس والمشاهدة والتجربة.

2- ما يكون سبيل التحقق منه هو الظن، فيظن تحقق سببه ووقوعه بظنون متفاوتة في القوة والضعف، ومثاله إقرار المقر، وشهادة أربع عدول، والأيمان في الدعاوى، فهذه الأدلة لا تفيد إلا الظن. [1] [ ص: 87 ]

فعدم تطبيق النص القطعي على حادثة لا تتوافر فيها شروط التطبيق ومواصفاته لا يكون اجتهادا في مورد النص القطعي، بل هو اجتهاد في موضع الظن الذي هو دليل الوقوع. [2]

وبهذا تندفع بعض الإشكالات الناتجة عن اجتهادات عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، من كونه اجتهد في النصوص القطعية، مما فتح الباب أمام المعطلين لأحكام الشريعة الإسلامية, من ذلك عدم تطبيق عمر، رضي الله عنه، لحد السرقة عام المجاعة، فليس هذا بتجرئ على الأحكام الشرعية، بل هو تنـزيل للحكم الشرعي، ذلك أن مناط السرقة شابته شوائب مما صيره ظنيا، "فرأى أن الحكم لا ينطبق على تلك الحالة، أو أن الشبهة اعترت الظن المستفاد من إجراءات الإثبات القضائي في الواقعة، فدفعته. فهو بذلك قد أعمل شبهة معتبرة في إهمال ظن مستفاد من القضائية، ولم يهمل النص القطعي، فكان عمله إعمال شبهة في إهمال ظن، لا في رفض قاطع". [3]

فعمر، رضي الله عنه، لم يوقف حدا استوفى شروطه، فوجبت إقامته، بل كان عمر ممن يرى أن الحدود تسقط بالشبهات، فهو رأى وجود المجاعة العامة مظنة شبهة عامة، جديرة بأن توقف الحد، إذ الغالب ألا يسرق [ ص: 88 ] السارق في هـذا الظرف إلا من حاجة [4] ، وما فعله عمر، رضي الله عنه، لم يكن اجتهادا مع النص، أي في مقابلة النص، وإنما اجتهاد في فهم النص، الذي لا يمكن أن يفهم وحده بمعزل عن بقية النصوص، فالنصوص مجتمعة تشكل المنظومة الفقهية المتكاملة المتعلقة بإقامة حد السرقة، ومن خلال فهمها يتم التطبيق الصحيح لحد السرقة، فلحد السرقة شروط يجب أن تتحقق وموانع يجب أن تنتفي. [5] وذهب الأستاذ عبد المجيد النجار إلى التحليل المقاصدي لاجتهاد عمر، رضي الله عنه، إذ قال: "فقد كان يعلم المقصد من الحكم ويعلم أنه سوف لن يتحقق في الواقع لو نزل حكم حد السرقة في ظروف المجاعة فكان علمه بذلك مؤذن بتأجيل التنـزيل" [6] .

لكن وقع خلاف حول موقف أمير المؤمنين عمر، رضي الله عنه، وفي تحليل ذلك يقول الشيخ المدني: "إن عمر، رضي الله عنه ،لم يعلق هنا نصا، ولم يعدل، ولم ينسخ - وحاشاه أن يرى لنفسه هذا الحق - وإنما فهم أن آخذ المال في عام المجاعة لا يوصف بأنه سارق، لأنه يرى لنفسه حقا فيما يأخذ، والسرقة هي أخذ الإنسان ما لا حق فيه خفية" [7] . [ ص: 89 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية