الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب الوقف

قال ( وإذا كانت الأرض لرجل ، أو رجلين فتصدقا بها صدقة موقوفة وسلماها إلى رجل واحد وجعل أحدهما نصيبه موقوفا على ولده وولد ولده أبدا ما تناسلوا . فإذا انقرضوا كانت غلتها للمساكين وجعل الآخر نصيبه وقفا على إخوته وأهل بيته . فإذا انقرضوا كانت غلته في الحج يحج بها في كل سنة ، أو كان المتصدق واحدا فجعل نصف الأرض مشاعا على الأمر الأول ونصفها على الأمر الآخر فذلك جائز ) ; لأنها صدقة واحدة يقبضها وال واحد فلا يضرهم على أي الوجوه فرقوا غلتها ومعنى هذا أن تمام الصدقة بالقبض .

وإذا كان الوالي واحدا فهو يقبض الكل جملة فتتم الصدقة بالكل بقبضه ، ثم بتفرق جهات الصدقة لا تتفرق الصدقة ألا ترى أن المتصدق لو [ ص: 41 ] كان واحدا وفرق الغلة سهاما بعضها في الحج وبعضها في الغزو وبعضها في أهل بيته وبعضها في المساكين كان ذلك صدقة جائزة . فكذلك إذا كان المتصدق اثنين وعين كل واحد منهما لنصيبه مصرفا ، وهذا كله قول محمد . فأما عند أبي يوسف الصدقة الموقوفة في جميع هذه الوجوه جائزة ; لأنه يجوزها غير مقبوضة . فكذلك غير مقسومة ، فالحاصل أن أبا يوسف يوسع في أمر الصدقة الموقوفة في قوله الآخر غاية التوسع .

وفي قوله الأول ضيق فيها غاية التضييق كما هو قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه فقال لا تلزم في الحياة أصلا وتوسط قول محمد رحمه الله في ذلك ; ولهذا أفتى عامة المشايخ رحمهم الله فيها بقول محمد رحمه الله ومما توسع فيه أبو يوسف رحمه الله أنه لا يشترط التأبيد فيها حتى لو وقفها على جهة يتوهم انقطاعها يصح عنده ، وإن لم يجعل آخرها للمساكين ومحمد رحمه الله يشترط التأبيد فيها فقال إذا كانت الجهة بحيث يتوهم انقطاعها لا تصح الصدقة إذا لم يجعل آخرها للمساكين ; لأن موجب الوقف زوال الملك بدون التمليك ، وذلك يتأبد كالعتق .

وإذا كانت الجهة يتوهم انقطاعها فلم يتوفر على العقد موجبه والتوقيت في هذا العقد كالتوقيت في البيع فكان مبطلا وأبو يوسف رحمه الله يقول المقصود هو التقرب إلى الله تعالى والتقرب تارة يكون في الصرف إلى جهة يتوهم انقطاعها وتارة بالصرف إلى جهة لا يتوهم انقطاعها لا تصح الصدقة لتحصيل مقصود الواقف ، ومن ذلك أنه لو جعل مصرف الغلة لنفسه ما دام حيا فذلك جائز عند أبي يوسف أيضا اعتبارا للابتداء بالانتهاء ; لأنه يجوز الوقف على جهة يتوهم انقطاعها .

وإذا انقطعت عادت الغلة إليه في الانتهاء فكما يجوز ذلك في الانتهاء . فكذلك في الابتداء لجواز أن يقدم نفسه على غيره في الغلة ، وهذا ; لأن معنى التقرب لا ينعدم بهذا قال عليه الصلاة والسلام { نفقة الرجل على نفسه صدقة } . وقال عليه الصلاة والسلام { ابدأ بنفسك ، ثم بمن تعول } . فأما عند محمد رحمه الله إذا جعله وقفا على نفسه ، أو جعل شيئا من الغلة لنفسه ما دام حيا فالوقف باطل وهو مذهب أهل البصرة رحمهم الله ; لأن التقرب بإزالة الملك واشتراط الغلة ، أو بعضها لنفسه يمنع زوال ملكه فلا يكون ذلك صحيحا . وكذلك لو شرط الغلة لإمائه فهو كاشتراطه لنفسه ، ولكن ذكر محمد أنه إذا اشترط الغلة لأمهات أولاده فذلك جائز ، وهذا على أصل أبي يوسف غير مشكل وعلى قول محمد رحمه الله هو مستحسن على ما نبينه بعد هذا إن شاء الله تعالى .

ومن ذلك أنه إذا شرط في الوقف أن يستبدل به أرضا أخرى إذا شاء ذلك فهو جائز عند أبي يوسف رحمه الله ، وعند محمد وهو قول [ ص: 42 ] أهل البصرة رحمهم الله الوقف جائز والشرط باطل ; لأن هذا الشرط لا يؤثر في المنع من زواله والوقف يتم بذلك ، ولا ينعدم به معنى التأبيد في أصل الوقف فيتم الوقف بشروطه ويبقى الاستبدال شرطا فاسدا فيكون باطلا في نفسه كالمسجد إذا شرط الاستبدال به ، أو شرط أن يصلي فيه قوم دون قوم فالشرط باطل واتخاذ المسجد صحيح فهذا مثله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث