الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين

وأما قوله : ( إلا عبادك منهم المخلصين ) ففيه فوائد :

الفائدة الأولى : قيل : غرض إبليس من ذكره هذا الاستثناء أن لا يقع في كلامه الكذب ، لأنه لو لم يذكر هذا الاستثناء ، وادعى أنه يغوي الكل ، لكان يظهر كذبه حين يعجز عن إغواء عباد الله الصالحين ، فكأن إبليس قال : إنما ذكرت هذا الاستثناء لئلا يقع الكذب في هذا الكلام ، وعن هذا يقال : إن الكذب شيء يستنكف منه إبليس ، فكيف يليق بالمسلم الإقدام عليه ؟ فإن قيل : كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) [ الحج : 52 ] ؟ قلنا : إن إبليس لم يقل : إني لم أقصد إغواء عباد الله الصالحين ، بل قال : لأغوينهم ، وهو وإن كان يقصد الإغواء إلا أنه لا يغويهم .

الفائدة الثانية : هذه الآية تدل على أن إبليس لا يغوي عباد الله المخلصين ، وقال تعالى في صفة يوسف : ( إنه من عبادنا المخلصين ) [ يوسف : 24 ] فنصل من مجموع هاتين الآيتين أن إبليس ما أغوى يوسف عليه السلام ، وذلك يدل على كذب الحشوية فيما ينسبون إلى يوسف عليه السلام من القبائح .

[ ص: 205 ] واعلم أن إبليس لما ذكر هذا الكلام قال الله تعالى : ( فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة ( فالحق ) بالرفع ( والحق ) بالنصب ، والباقون بالنصب فيهما . أما الرفع فتقديره : فالحق قسمي ، وأما النصب فعلى القسم ، أي : فبالحق ، كقولك : والله لأفعلن . وأما قوله : ( والحق أقول ) انتصب قوله : " والحق " بقوله : ( أقول ) .

المسألة الثانية : قوله : ( منك ) أي : من جنسك ، وهم الشياطين ( وممن تبعك منهم ) من ذرية آدم ، فإن قيل : قوله ( أجمعين ) تأكيد لماذا ؟ قلنا : يحتمل أن يؤكد به الضمير في " منهم " ، أو الكاف في " منك " مع " من تبعك " ، ومعناه : لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين ، لا أترك منهم أحدا .

المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة أن الكل بقضاء الله من وجوه :

الأول : أنه تعالى قال في حق إبليس : ( فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين ) فهذا إخبار من الله تعالى بأنه لا يؤمن ، فلو آمن لانقلب خبر الله الصدق كذبا ، وهو محال ، فكان صدور الإيمان منه محالا مع أنه أمر به .

والثاني : أنه قال : ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين ) فالله تعالى علم منه أنه يغويهم ، وسمع منه هذه الدعوى ، وكان قادرا على منعه عن ذلك ، والقادر على المنع إذا لم يمنع كان راضيا به ، فإن قالوا : لعل ذلك المنع مفسد ، قلنا : هذا قول فاسد ، لأن ذلك المنع يخلص إبليس عن الإضلال ، ويخلص بني آدم عن الضلال ، وهذا عين المصلحة .

الثالث : أنه تعالى أخبر أنه يملأ جهنم من الكفرة ، فلو لم يكفروا لزم الكذب والجهل في حق الله تعالى .

الرابع : أنه لو أراد أن لا يكفر الكافر لوجب أن يبقي الأنبياء والصالحين ، وأن يميت إبليس والشياطين ، وحيث قلب الأمر علمنا أنه فاسد .

الخامس : أن تكليف أولئك الكفار بالإيمان يقتضي تكليفهم بالإيمان بهذه الآيات التي هي دالة على أنهم لا يؤمنون ألبتة ، وحينئذ يلزم أن يصيروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون ألبتة ، وذلك تكليف بما لا يطاق ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث