الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب النظر في الصلاة إلى ما يشغلك عنها

باب النظر في الصلاة إلى ما يشغلك عنها

حدثني يحيى عن مالك عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت أهدى أبو جهم بن حذيفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم خميصة شامية لها علم فشهد فيها الصلاة فلما انصرف قال ردي هذه الخميصة إلى أبي جهم فإني نظرت إلى علمها في الصلاة فكاد يفتنني [ ص: 361 ]

التالي السابق


[ ص: 361 ] 18 - باب النظر في الصلاة إلى ما يشغلك عنها

بفتح الياء والغين وبضم أوله وكسر الغين أي يلهيك ، قال المجد : شغله كمنعه شغلا ويضم ، وأشغله لغة جيدة أو قليلة أو ردية .

220 218 - ( مالك عن علقمة بن أبي علقمة ) واسمه بلال ويقال له أيضا علقمة ابن أم علقمة واسمها مرجانة مولاة عائشة بلا خلاف ، وأما أبوه فقال مالك : إنه مولاها أيضا .

وقال الزبير بن بكار مولى مصعب بن عبد الرحمن بن عوف : كان علقمة ثقة مأمونا روى عنه مالك وغيره من الأئمة .

قال مصعب الزبيري عن أبيه : تعلمت النحو في كتاب علقمة بن أبي علقمة وكان نحويا .

( عن أمه ) مرجانة روت عن عائشة ومعاوية ، وثقها ابن حبان .

( أن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ) هكذا الجميع رواة الموطأ وسقط ليحيى عن أمه وهو مما عد عليه ولم يتابعه عليه أحد قاله ابن عبد البر .

( قالت : أهدى أبو جهم ) بفتح الجيم وسكون الهاء ويقال فيه أبو جهيم بالتصغير ( ابن حذيفة ) بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب القرشي العدوي ، قال البخاري وجماعة : اسمه عامر ، وقال سعد والزبير بن بكار وغيرهما : اسمه عبيد بالضم صحابي من مسلمة الفتح كان من معمري قريش ومشيختهم ونسابهم ، حضر بناء الكعبة حين بنتها قريش وحين بناها ابن الزبير ، وهو المذكور في حديث : وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ، قيل : إنه كان ضرابا للنساء ، ذكر ابن سعد أنه مات في آخر خلافة معاوية ، لكن ذكر ابن بكار عن عمه مصعب أن أبا جهم حضر بناء ابن الزبير للكعبة وهذا يدل على تأخر موته إلى أوائل خلافة ابن الزبير ، ويؤيده ما روي أنه وفد على يزيد بن معاوية ثم على ابن الزبير بعد ذلك .

( لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خميصة ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم وصاد مهملة كساء رقيق مربع ويكون من خز أو صوف وقيل : لا تسمى بذلك إلا أن تكون سوداء مظلمة ، سميت خميصة للينها ورقتها وصغر حجمها إذا طويت ، مأخوذ من الخمص وهو ضمور البطن ، وفي التمهيد الخميصة كساء رقيق قد يكون بعلم وبغير علم ، وقد يكون أبيض معلما ، وقد يكون أصفر وأحمر وأسود وهي من لباس أشراف العرب .

( شامية لها ) بالتأنيث على لفظ خميصة ، وفي رواية له بالتذكير على معنى أنها كساء .

( علم ) في رواية عروة عن عائشة في الصحيحين له [ ص: 362 ] أعلام فالمراد الجنس ( فشهد فيها الصلاة ) أي صلى وهو لابس لها .

( فلما انصرف قال ) لعائشة ( ردي هذه الخميصة إلى أبي جهم فإني نظرت إلى علمها ) وفي حديث عروة عن عائشة : صلى في خميصة له أعلام فنظر إلى أعلامها نظرة في الصلاة ( فكاد يفتنني ) بفتح أوله من الثلاثي أي يشغلني عن خشوع الصلاة ، وفيه أن الفتنة لم تقع فإن كاد تقتضي القرب وتمنع الوقوع ، ولذا قال بعض العلماء : لا يخطف البرق بصر أحد لقوله تعالى : يكاد البرق يخطف أبصارهم ( سورة البقرة : الآية 20 ) ولذا أولوا قوله في رواية الصحيحين : " فإنها ألهتني عن صلاتي " بأن المعنى قاربت أن تلهيني فإطلاق الإلهاء مبالغة في القرب لا لتحقق وقوع الإلهاء ، وفيه من الفقه قبول الهدايا ، وكان - صلى الله عليه وسلم - يقبلها ويأكلها ، والهدية مستحبة ما لم يسلك بها طريق الرشوة لدفع حق أو تحقيق باطل أو أخذ على حق يجب القيام به ، وأن الواهب إذا ردت عليه عطيته أن يكون هو الراجع فيها فله قبولها بلا كراهة ، وأن كل ما يشغل المرء في صلاته ولم يمنعه من إقامة فرائضها وأركانها لا يفسدها ولا يوجب عليه إعادتها ومبادرته - صلى الله عليه وسلم - إلى مصالح الصلاة ونفي ما لعله يحدث فيها ، وأما بعثه بالخميصة إلى أبي جهم فلا يلزم منه أن يلبسها في الصلاة ، ومثله قوله في حلة عطارد حيث بعث بها إلى عمر : " إني لم أبعث بها إليك لتلبسها " ويحتمل أن يكون ذلك من جنس قوله : كل فإني أناجي من لا تناجي .

وقال الطيبي : فيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيرا في القلوب الطاهرة والنفوس الزكية يعني فضلا عمن دونها .

وقال ابن قتيبة : إنما ردها - صلى الله عليه وسلم - لأنه كرهها ولم يكن يبعث إلى غيره ما كرهه لنفسه ، وقد قال لعائشة : لا تتصدقي بما لا تأكلين ، وكان أقوى الخلق على دفع الوسوسة ، لكن لما أعلم أبو جهم بما نابه فيها دل على أنه لا يلبسها في الصلاة لأنه أحرى أن يخشى على نفسه الشغل بها عن الخشوع ، ويحتمل أنه أعلمه بما نابه لتطيب نفسه ويذهب عنه ما يجد من رد هديته .

قال الباجي : أو ليقتدي به في ترك لبسها من غير تحريم اهـ .

واستنبط الإمام من الحديث كراهة النظر إلى كل ما يشغل عن الصلاة من صبغ وعلم ونقوش ونحوها لقوله في الترجمة : النظر إلى ما يشغلك عنها فعم ، ولم يقيد بخميصة ولا غيرها واستنبط منه الباجي صحة المعاطاة لعدم ذكر الصيغة ، وهذا الحديث في الصحيحين من رواية الزهري عن عروة عن عائشة : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في خميصة له أعلام فنظر إلى أعلامها نظرة فلما انصرف قال : اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي " .

[ ص: 363 ] -


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث