الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم

ولما نوه سبحانه في القتال بذكر النبي صلى الله عليه وسلم في ابتدائها باسمه الشريف وسمى السورة به، وملأ سورة محمد بتعظيمه، وختمها باسمه، ومدح أتباعه لأجله، افتتح هذه باشتراط الأدب معه في القول والفعل للعد من حزبه والفوز بقربه، ومدار ذلك معالي الأخلاق، وهي إما مع الله سبحانه وتعالى أو مع رسوله صلى الله عليه وسلم أو مع غيرهما وإن كان كل قسم لا يخلو عن لحظة الآخر، وغيرهما إما أن يكون داخلا مع المؤمنين في رتبة الطاعة أو خارجا عنها، وهو الفاسق، والداخل في طاعة المؤمنين السالك لطريقتهم إما أن يكون حاضرا عندهم أو غائبا عنهم، فهذه خمسة أقسام، فصل النداء بسببها خمس مرات، كل مرة لقسم منها، وافتتح بالله لأن الأدب معه هو [ ص: 351 ] الأصل الجامع للكل والأس الذي لا يبنى إلا عليه، فقال مناديا للمتسمين بأول أسنان القلوب تنبيها على أن سبب نزولها من أفعالهم [لا] من أفعال أهل الكمال، فهو هفوة تقال، وما [كان] ينبغي أن يقال، وليشمل الخطاب المعهود للأدنى - ولو مع النفاق - من فوقه من باب الأولى: يا أيها الذين آمنوا أي: أقروا بالإيمان لا تقدموا وحذف المفعول ليعم كل ما يصح تقديمه فيذهب [الوهم] كل مذهب، ويجوز أن يكون حذفه من قصد إليه أصلا، بل يكون النهي موجها إلى نفس التقدمة؛ أي: لا تتلبسوا بهذا الفعل، ويجوز أن يكون من قدم، بالتشديد بمعنى أقدم وتقدم؛ أي: شجع نفسه على التقدم، ومنه مقدمة الجيش، وهم متقدموه، وأشار إلى تهجين ما نهوا عنه وتصوير شناعته، وإلى أنهم في القبضة ترهيبا لهم فقال: بين يدي الله أي: الملك الذي لا يطاق انتقامه.

ولما كان السياق للنهي عن التقديم والتقدم، وكان مقتضى الرسالة إنفاذ الأوامر والنواهي عن الملك من غير أن يكون من المرسل [ ص: 352 ] إليهم اعتراض أصلا، وبذلك استحق أن لا يتكلم بحضرته في مهم ولا يفعل مهم إلا بإذنه؛ لأن العبيد لما لهم من النقص لا استقلال لهم بشيء أصلا، عبر بالرسول دون النبي بعد أن ذكر اسمه تعالى الأعظم زيادة في تصوير التعظيم فقال: ورسوله أي: الذي عظمته ظاهرة جدا، ولذلك قرن اسمه باسمه وذكره بذكره، فهو تمهيد لما يأتي من تعظيمه، فالتعبير بذلك إشارة إلى أن النفس إذا خليت وفطرتها الأولى، امتلأت بمجرد رؤيته هيبة منه، وإجلالا له، فلا يفعل أحد غير ذلك إلا بتشجيع منه لنفسه وتكليفها ضد ما تدعو إليه الفطرة الأولى القويمة، فالمعنى: لا تكونوا متقدمين في شيء من الأشياء والله يقول الحق ويهدي السبيل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبلغ عنه لا ينطق عن الهوى، فعلى الغير الاقتداء والاتباع، لا الابتداء والابتداع، سواء كان النبي صلى الله عليه وسلم غائبا أو حاضرا بموت أو غيره.

فإن آثاره كعينه، فمن بذل الجهد فيها هدي للأصلح، والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا

ولما استعار للدلالة على القدرة التعبير باليدين وصور البينة ترهيبا من انتقام القادر إذا خولف، صرح بذلك بقوله تعالى: واتقوا الله أي اجعلوا بينكم وبين [غضب] الملك الأعظم وقاية، فإن التقوى [ ص: 353 ] مانعة من أن تضيعوا حقه وتخالفوا أمره وتقدموا على شيء لم تعلموا رضاه فيه.

ولما كان سبحانه مع كل بعلمه، وأقرب إليه من نفسه، فكان مع ذلك غيبا محضا لكونه محتجبا برداء الكبر وإزار العظمة والقهر، وكان الإنسان لما غاب عنه نساء، ذكره مرهبا بقوله مستأنفا أو معللا مؤكدا تنبيها على ما في ذلك من الغرابة والعظمة التي يحق للإنسان مجاهدة نفسه لأجلها في الإيمان به والمواظبة على الاستمرار على استحضاره؛ لأن أفعال العاصي أفعال من ينكره: إن الله أي: الذي له الإحاطة بصفات الكمال. ولما [كان] ما يتقدم فيه إما قولا أو فعلا قال: سميع أي: لأقوالكم أن تقولوها عليم أي: بأعمالكم قبل أن تعملوها.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما وصف سبحانه عباده المصطفين صحابة نبيه والمخصوصين بفضيلة مشاهدته وكريم عشرته فقال: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم "إلى آخره"، فأثنى سبحانه عليهم وذكر وصفه تعالى بذلك في التوراة والإنجيل، وهذه [ ص: 354 ] خصيصة انفردوا بمزية تكريمها وجرت على واضح قوله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف إلى آخره. وشهدت لهم بعظيم المنزلة لديه، ناسب هذا طلبهم بتوفية الشعب الإيمانية قولا وعملا، ظاهرا وباطنا على أوضح عمل وأخلص نية، وتنزيههم عما وقع من قبلهم في مخاطبات أنبيائهم كقول بني إسرائيل يا موسى ادع لنا ربك [إلى] ما شهد من هذا الضرب بسوء حالهم فقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله الآية. [و] يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول إلى قوله: والله غفور رحيم فطلبوا بآداب تناسب علي إيمانهم وإن اغتفر بعضه لغيرهم من ليس في درجتهم وقد قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. فكأن قد [قيل] لهم: لا تغفلوا ما منح لكم في التوراة والإنجيل؛ فإنها درجة لم ينلها غيركم من الأمم فقابلوها بتنزيه أعمالكم عن أن يتوهم في ظواهرها أنها صدرت عن عدم اكتراث في الخطاب، أو سوء قصد في الجواب، وطابقوا بين ظواهركم وبواطنكم [ ص: 355 ] وليكن علنكم منبئا بسليم سرائركم إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ثم عرفوا بسوء حال من عدل به عن هذه الصفة فقال تعالى: إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ثم أمروا بالتثبت عند نزغة الشيطان، أو تقول ذي بهتان يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ الآية. ثم أمرهم بصلاح ذات بينهم والتعاون في ذلك بقتال الباغين العتاة وتحسين العشرة والتزام ما يثمر الحب والتودد الإيماني والتواضع، وأن الخير كله في التقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم وكل ذلك محذر لعلي صفاتهم التي وصفوا بها في خاتمة سورة الفتح.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث