الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أحمد بن خليد الحلبي

جزء التالي صفحة
السابق

469 حدثنا أحمد بن خليد قال : حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع قال : حدثنا معاوية بن سلام ، عن زيد بن سلام ، أنه سمع أبا سلام ، يقول : حدثني عبد الله الهوزني .

أنه لقي بلالا مؤذن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتسوك بحلب قال : فقلت : يا بلال ، حدثني كيف كان مهنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؟ فقال : ما كان له شيء ، كنت أنا الذي ألي ذلك منه منذ بعثه الله حتى توفي ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وكان إذا أتاه الإنسان المسلم فرآه عاريا ، يأمرني به ، فأنطلق ، وأستقرض فأشتري البردة ، فأكسوه ، وأطعمه ، حتى اعترضني رجل من المشركين ، فقال لي : يا بلال ، إن عندي سعة ، فلا تستقرض من أحد إلا مني ، ففعلت ، فلما كان ذات يوم توضأت ، ثم قمت لأؤذن للصلاة ، فإذا المشرك قد أقبل في [ ص: 288 ] عصابة من التجار . فلما رآني قال : يا حبشي ، قلت : لبيك . فتجهمني ، وقال قولا غليظا ، فقال : أتدري كم بينك وبين الشهر ؟ قلت : قريب . قال : إنما بينك وبينه أربع ، فآخذك بالذي لي عليك ، فإني لم أعطك الذي أعطيتك من كرامتك ، ولا كرامة صاحبك علي ، ولكني إنما أعطيتك لآخذك عبدا ، فأردك ترعى لي الغنم ، كما كنت ترعى قبل ذلك . فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس . فانطلقت ، ثم أذنت بالصلاة ، حتى إذا صليت العتمة ، رجع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى أهله . فاستأذنت عليه ، فأذن لي . فقلت : يا رسول الله إن المشرك الذي كنت ادنت منه قال لي : كذا وكذا ، وليس عندك ما تقضي ، وليس عندي ، وهو فاضحي ، فأذن لي أن آتي إلى بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا حتى يرزق الله رسوله ما يقضي عنه . فخرجت حتى أتيت منزلي ، فجعلت سيفي وجرابي ونعلي عند رأسي ، واستقبلت بوجهي الأفق . فلما نمت ساعة انتبهت ، فإذا رأيت علي ليلا نمت ، حتى انشق عمود الصبح الأول . فأردت أن أنطلق ، فإذا إنسان يسعى يدعو : يا بلال أجب رسول الله . فانطلقت حتى أتيته ، فإذا أربع ركائب مناخات ، عليهن أحمالهن ، فأتيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فاستأذنت ، فقال لي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أبشر ، فقد جاءك الله بقضائك " . فحمدت الله . فقال : " ألم تمر على الركائب المناخات الأربع ؟ " قلت : بلى . فقال : " إن لك رقابهن وما عليهن ، فإن عليهن كسوة ، وطعاما أهداه إلي عظيم فدك ، [ ص: 289 ] فاقبضهن ، ثم اقض دينك " . ففعلت ، فحططت عنهن أحمالهن ، ثم علفتهن ، ثم قمت إلى . . . . صلاة الصبح . حتى إذا صلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، خرجت إلى البقيع ، فجعلت إصبعي في أذني ، فناديت : من كان يطلب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بدين فليحضر . فما زلت أبيع وأقضي ، حتى لم يبق على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دين في الأرض ، حتى فضل في يدي أوقيتان ، أو أوقية ونصف . ثم انطلقت إلى المسجد وقد ذهب عامة النهار ، وإذا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قاعد في المسجد وحده فسلمت عليه ، فقال لي : " ما فعل ما قبلك ؟ " فقلت : قد قضى الله كل شيء كان على رسوله ، فلم يبق شيء ، فقال : " أفضل شيء ؟ " ، فقلت : نعم ، فقال : " انظر أن تريحني منها ، فإني لست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منه " . فلم يأتنا أحد حتى أمسينا ، فلما صلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ العتمة دعاني فقال : " ما فعل ما قبلك ؟ " قلت : هو معي لم يأتنا أحد ، فبات في المسجد حتى أصبح ، وصلى اليوم الثاني حتى كان في آخر النهار جاءه راكبان ، فانطلقت بهما فأطعمتهما ، وكسوتهما ، حتى إذا صلى العتمة دعاني فقال : " ما فعل الذي قبلك ؟ " فقلت : قد أراحك الله منه يا رسول الله ، فكبر ، وحمد الله شفقا من أن يدركه الموت وعنده ذلك . ثم اتبعته حتى جاء أزواجه ، فسلم على امرأة امرأة ، حتى أتى مبيته ، فهذا الذي سألتني عنه [ ص: 290 ] ، ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

لا يروى هذا الحديث عن بلال إلا بهذا الإسناد ، تفرد به : معاوية بن سلام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث