الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ص ( وإن أقامت المرأة سرا فحسن )

ش يعني أن المرأة إن صلت وحدها فإن الإقامة في حقها حسنة يعني مستحبة ، وليست سنة كما في حق الرجل وأما إذا صلت مع الجماعة فتكتفي بإقامتهم كما سيأتي ذلك في حق الرجال أيضا ولا يجوز أن تكون هي المقيمة للجماعة ; لأن صوتها عورة ، ولا تحصل السنة بإقامتها كما لا تحصل سنة الأذان بأذانها ، قال في الطراز في شرح كلام المدونة الآتي : يريد إنها أقامت لنفسها لا أنها تقيم في المساجد للجماعة ، وإذا أقامت لنفسها فإنها تقيم سرا ; لأنه سيأتي أن المنفرد من الرجال يسر الإقامة ، وما ذكره المصنف من كون الإقامة في حق المرأة حسنة أي : مستحبة هو المشهور وهو مذهب المدونة ، قال فيها : وليس على المرأة أذان ولا إقامة ، وإن أقامت فحسن ، قال ابن ناجي في شرح المدونة : المعروف من المذهب أن إقامتها حسنة كما قال ، وروى الطراز عدم استحبابها إذ لم يرو عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنهن كن يقمن ، وقال ابن الحاجب والمرأة كالرجل على المشهور .

( قال ) ابن هارون هو مشكل ; لأنها للرجل سنة مؤكدة ، وللنساء مستحبة فلا يستويان وفي بعض النسخ ، وفي المرأة حسن على المشهور ، وقال : هذا أشبه مما في الأصل ووفاق لمذهب الكتاب انتهى .

( قلت ) وعلى ما في بعض النسخ شرح ابن عبد السلام والمصنف في التوضيح لكن جعل في المسألة ثلاثة أقوال فإنه قال : قوله حسن على المشهور ، هو قول ابن القاسم ، قال في الجلاب : وليس على النساء أذان ولا إقامة ، قاله ابن عبد الحكم ، وقال ابن القاسم : إن أقمن فحسن ، ولأشهب ثالث بالكراهة انتهى .

( قلت ) لم يحك صاحب الطراز عن أشهب الكراهة وإنما فهم كلامه على عدم الاستحباب ، قال في الطراز : اختلف [ ص: 464 ] قول مالك في الإقامة فمرة استحسنها ، ومرة لم يستحسنها ، قال في سماع أشهب : ما سمعت ذلك قال أفأحب إليك أن تقيم ، قال ما آمرها بذلك انتهى . ورأيت الشبيبي في شرح الرسالة حكى ثلاثة أقوال كما فعل المصنف في التوضيح وعزا القول بالكراهة لسماع أشهب ، وبحث الشارح في الكبير في جعل قول ابن عبد الحكم ثالثا ، وقال : هو راجع لقول ابن القاسم فيما يظهر ; لأنه إنما نفى اللزوم ولا يلزم منه نفي الاستحباب فلا يكون ثالثا انتهى . وما قاله ظاهر وعلى ذلك فهمه ابن عرفة لكنه لم يجعل مقابل المشهور الكراهة وإنما جعل مقابله عدم الاستحباب ، ونصه : " وفيها لا أذان على امرأة ولا إقامة ، وإن أقامت فحسن ، وهو في الجلاب عن ابن عبد الحكم وروي في الطراز عدم استحسانها إذ لم ترو عن أزواجه صلى الله عليه وسلم انتهى .

( قلت ) كلام الشارح ، وابن عرفة يقتضي أن قول ابن القاسم وابن عبد الحكم متحدان وكلام ابن الحاجب يدل على أنهما متغايران كما نقل في التوضيح لكن يمكن حمل كلام ابن عبد الحكم على أنه موافق لكلام أشهب وليس ثالثا انتهى .

( تنبيهات : الأول ) الفرق بين الأذان ، والإقامة حيث لم يطلب الأذان من المرأة ; لأنه شرع للإعلام بدخول الوقت ، والحضور للصلاة ، والإقامة شرعت لإعلام النفس بالتأهب للصلاة فلذلك اختص الأذان بمن ذكر ، وشرعت الإقامة للجميع ( الثاني ) : إذا صلى الصبح لنفسه فإنه يؤمر بالإقامة في النوادر قال ابن القاسم عن مالك في المجموعة : وإن صلى الصبح لنفسه فليقم ، ونقله صاحب الطراز وابن عرفة .

( الثالث ) قوله : " سرا " لم أر من صرح بتخصيص المرأة بالسر بل ظاهر كلامهم أن المطلوب في إقامة المنفرد أن يكون سرا في المدونة ، قال ابن المسيب ، وابن المنكدر : ومن صلى وحده فليسر الإقامة في نفسه ، قال ابن ناجي ، قال : قال بعضهم : لم يوجد لمالك خلاف ، وقبله ابن هارون ، قال المغربي : وظاهر الكتاب أن الإسرار مطلوب ، وإليه ذهب أبو عمران قائلا : " مخافة أن يشوش على من عسى أن يكون قد يصلي هناك " ، واختصره ابن يونس فلا بأس أن يسر الإقامة في نفسه وينبغي أن تكون هناك لا بأس لما هو خير من غيره فيكون وفاقا لاختصار البراذعي ، قال ابن الحاجب : وإسرار المنفرد حسن ، قال ابن هارون : هكذا وقع في المدونة وفيه نظر لاحتمال أن يريد وغير الإسرار ، وهو الجهر أحسن لقول أبي محمد عن أشهب : أحب إلي رفع الصوت بالإقامة ولم يحفظه ابن عبد السلام ، بل قال : لو اختير فيها رفع الصوت لكان أحسن ; لأن الشيطان إذا سمع التثويب أدبر ، ومباعدة الشيطان مطلوبة لا سيما في هذه الحال انتهى .

( قلت ) ظاهره أن أشهب يخالف في إقامة المنفرد ويرى الجهر بها أولى ولم أر من صرح بذلك إلا ما يفهم من كلام ابن عرفة فإنه ، قال ابن المسيب وابن المنكدر : يسرها المنفرد في نفسه الشيخ عن أشهب أحب إلي رفع الصوت بالإقامة انتهى . وليس في كلام ابن أبي زيد في النوادر التصريح بذلك بل ظاهر كلامه الذي حكاه عن أشهب إنما هو في الجماعة . قيل : لأشهب : أيؤذن على المنار أو في سطح المسجد ؟ قال : أحب إلي من الأذان أسمعه للقوم ، وأحب إلي في الإقامة أن تكون في صحن المسجد ، وقرب الإمام ، وكل واسع ، وأحب إلي أن يرفع صوته بالأذان ، والإقامة انتهى . ولهذا لم يذكر صاحب الطراز لما تكلم على مسألة المدونة فيه ذلك خلافا بل ، قال : إن الإقامة شرعت أهبة للصلاة بين يديها تفخيما لها كغسل الإحرام ، وغسل الجمعة فحسن أن يقال فيها : من أقام في المسجد بعد ما صلى أهله لا يجهر بذلك لما فيه من اللبسة والدلسة ، ولأنه إذا سمع منه ذلك مرارا يظن به الخروج عن رأي الإمام وعما عليه الجماعة ، وأنه يتعمد أن يصلي وحده انتهى . فتأمله .

وقال الشبيبي في شرح الرسالة وفي صفة الإقامة أن تكون جهرا للجماعة سرا للفذ ، والله تعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث