الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


و " المقصود هنا " أنه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين لم تكن امرأة ترد إلى زوجها بنكاح تحليل وكان إنما يفعل سرا ; ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم { لعن الله آكل الربا وموكله ; وشاهديه وكاتبه ولعن المحلل والمحلل له } قال الترمذي : حديث صحيح . ولعن صلى الله عليه وسلم في الربا : الآخذ والمعطي والشاهدين والكاتب ; لأنه دين يكتب ويشهد عليه ولعن في التحليل : المحلل والمحلل له ولم يلعن الشاهدين والكاتب لأنه لم يكن على عهده تكتب الصداقات في كتاب فإنهم كانوا يجعلون لصداق في العادة العامة قبل الدخول ولا يبقى دينار في ذمة الزوج ولا يحتاج إلى كتاب وشهود وكان المحلل يكتم ذلك هو والزوج المحلل له .

والمرأة والأولياء والشهود لا يدرون بذلك . { ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له } إذ كانوا هم الذين فعلوا المحرم ; دون هؤلاء . والتحليل لم يكونوا يحتاجون إليه في الأمر الغالب إذ كان الرجل إنما يقع منه الطلاق الثلاث إذا طلق بعد رجعة أو عقد فلا يندم بعد الثلاث إلا نادر من الناس ; وكان [ ص: 38 ] يكون ذلك بعد عصيانه وتعديه لحدود الله فيستحق العقوبة فيلعن من يقصد تحليل المرأة له ; ويلعن هؤلاء أيضا : لأنهما تعاونا على الإثم والعدوان .

فلما حدث " الحلف بالطلاق " واعتقد كثير من الفقهاء . أن الحانث يلزمه ما ألزمه نفسه ولا تجزيه كفارة يمين واعتقد كثير منهم أن الطلاق المحرم يلزم واعتقد كثير منهم أن جمع الثلاث ليس بمحرم واعتقد كثير منهم أن طلاق السكران يقع واعتقد كثير منهم أن طلاق المكره يقع . وكان بعض هذه الأقوال مما تنازع فيه الصحابة ; وبعضها مما قيل بعدهم : كثر اعتقاد الناس لوقوع الطلاق مع ما يقع من الضرر العظيم والفساد في الدين والدنيا بمفارقة الرجل امرأته فصار الملزمون بالطلاق في هذه المواضع المتنازع فيها " حزبين " .

" حزبا " اتبعوا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في تحريم التحليل فحرموا هذا مع تحريمهم لما لم يحرمه الرسول صلى الله عليه وسلم من تلك الصور فصار في قولهم من الأغلال والآصار والحرج العظيم المفضي إلى مفاسد عظيمة في الدين والدنيا أمور . منها : ردة بعض الناس عن الإسلام لما أفتي بلزوم ما التزمه . ومنها سفك الدم المعصوم . ومنها زوال العقل . ومنها العداوة بين الناس . ومنها تنقيص شريعة الإسلام . إلى كثير من الآثام . إلى غير ذلك من الأمور العظام . " وحزبا " رأوا أن يزيلوا ذلك الحرج العظيم بأنواع من الحيل التي بها تعود المرأة إلى زوجها .

[ ص: 39 ] وكان مما أحدث أولا " نكاح التحليل " . ورأى طائفة من العلماء أن فاعله يثاب ; لما رأى في ذلك من إزالة تلك المفاسد بإعادة المرأة إلى زوجها وكان هذا حيلة في جميع الصور لرفع وقوع الطلاق . ثم أحدث في " الأيمان " حيل أخرى . فأحدث أولا الاحتيال في لفظ اليمين ثم أحدث الاحتيال بخلع اليمين ; ثم أحدث الاحتيال بدور الطلاق ثم أحدث الاحتيال بطلب إفساد النكاح . وقد أنكر جمهور السلف والعلماء وأئمتهم هذه الحيل وأمثالها ورأوا أن في ذلك إبطال حكمة الشريعة وإبطال حقائق الأيمان المودعة في آيات الله وجعل ذلك من جنس المخادعة والاستهزاء بآيات الله حتى قال أيوب السختياني في مثل هؤلاء : يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان لو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون علي ثم تسلط الكفار والمنافقون بهذه الأمور على القدح في الرسول صلى الله عليه وسلم وجعلوا ذلك من أعظم ما يحتجون به على من آمن به ونصره وعزره ومن أعظم ما يصدون به عن سبيل الله ويمنعون من أراد الإيمان به ومن أعظم ما يمتنع الواحد منهم به عن الإيمان كما أخبر من آمن منهم بذلك عن نفسه وذكر أنه كان يتبين له محاسن الإسلام إلا ما كان من جنس " التحليل " فإنه الذي لا يجد فيه ما يشفي الغليل .

وقد قال تعالى : { ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون } { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون } فوصف رسوله بأنه يأمر بكل معروف وينهى عن كل منكر ويحل كل طيب ويحرم كل خبيث ويضع الآصار والأغلال التي كانت على من قبله .

وكل من خالف ما جاء به من الكتاب والحكمة من الأقوال المرجوحة فهي من الأقوال المبتدعة التي أحسن أحوالها أن تكون من الشرع المنسوخ الذي رفعه الله بشرع محمد صلى الله عليه وسلم إن كان قائله من أفضل الأمة وأجلها وهو في ذلك القول مجتهد قد اتقى الله ما استطاع وهو مثاب على اجتهاده وتقواه مغفور له خطؤه فلا يلزم الرسول قول قاله غيره باجتهاده . وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال : { إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر } وثبت عنه في الصحيح أنه { كان يقول لمن بعثه أميرا على سرية وجيش : وإذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك } . وهذا يوافق ما ثبت في الصحيح : { أن سعد بن معاذ لما حكمه النبي صلى الله عليه وسلم في بني قريظة وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد حاصرهم فنزلوا على حكمه .

فأنزلهم على حكم سعد بن معاذ لما طلب منهم حلفا وهم من الأنصار أن يحسن إليهم وكان سعد بن معاذ خلاف ما يظن به بعض قومه : كان مقدما لرضا الله ورسوله على رضا [ ص: 41 ] قومه ; ولهذا لما مات اهتز له عرش الرحمن فرحا بقدوم روحه فحكم فيهم : أن تقتل مقاتلتهم وتسبى حريمهم وتقسم أموالهم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد حكمت فيهم بحكم الملك
} وفي رواية . { لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات } والعلماء ورثة الأنبياء وقد قال تعالى : { وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما } فهذان نبيان كريمان في حكومة واحدة فخص الله أحدهما بفهمها مع ثنائه على كل منهما بأنه آتاه حكما وعلما فكذلك العلماء المجتهدون - رضي الله عنهم - للمصيب منهم أجران وللآخر أجر .

وكل منهم مطيع لله بحسب استطاعته ولا يكلفه الله ما عجز عن علمه . ومع هذا فلا يلزم الرسول صلى الله عليه وسلم قول غيره ولا يلزم ما جاء به من الشريعة شيء من الأقوال المحدثة ; لا سيما إن كانت شنيعة . ولهذا كان الصحابة إذا تكلموا باجتهادهم ينزهون شرع الرسول صلى الله عليه وسلم من خطئهم وخطأ غيرهم . كما قال عبد الله بن مسعود في المفوضة : أقول فيها برأيي ; فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه . وكذلك روي عن الصديق في الكلالة وكذلك عن عمر في بعض الأمور ; مع أنهم كانوا يصيبون فيما يقولونه على هذا الوجه حتى يوجد النص موافقا لاجتهادهم كما وافق النص اجتهاد ابن مسعود وغيره [ ص: 42 ] وإنما كانوا أعلم بالله ورسوله وبما يجب من تعظيم شرع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يضيفوا إليه إلا ما علموه منه ; وما أخطئوا فيه - وإن كانوا مجتهدين - قالوا : إن الله ورسوله بريئان منه .

وقد قال الله تعالى : { وما على الرسول إلا البلاغ المبين } وقال : { فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم } وقال : { فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين } . ولهذا تجد المسائل التي تنازعت فيها الأمة على أقوال ; وإنما القول الذي بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم واحد منها وسائرها إذا كان أهلها من أهل الاجتهاد أهل العلم والدين : فهم مطيعون لله ورسوله مأجورون غير مأزورين ; كما إذا خفيت جهة القبلة في السفر اجتهد كل قوم فصلوا إلى جهة من الجهات الأربع ; فإن الكعبة ليست إلا في جهة واحدة منها وسائر المصلين مأجورون على صلاتهم حيث اتقوا ما استطاعوا .

ومن آيات ما بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إذا ذكر مع غيره على الوجه المبين ظهر النور والهدى على ما بعث به ; وعلم أن القول الآخر دونه ; فإن خير الكلام كلام الله ; وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وقد قال سبحانه وتعالى : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } وهذا التحدي [ ص: 43 ] والتعجيز . ثابت في لفظه ونظمه ومعناه كما هو مذكور في غير هذا الموضع . ومن أمثال ذلك : ما تنازع المسلمون فيه من مسائل الطلاق فإنك تجد الأقوال فيه " ثلاثة " : قول فيه آصار وأغلال . وقول فيه خداع واحتيال . وقول فيه علم واعتدال . وقول يتضمن نوعا من الظلم والاضطراب . وقول يتضمن نوعا من الظلم والفاحشة والعار . وقول يتضمن سبيل المهاجرين والأنصار .

وتجدهم في مسائل الأيمان بالنذر ; والطلاق والعتاق على ثلاثة أقوال . قول يسقط أيمان المسلمين ويجعلها بمنزلة أيمان المشركين . وقول يجعل الأيمان اللازمة ليس فيها كفارة ولا تحلة كما كان شرع غير أهل القبلة . وقول يقيم حرمة أيمان أهل التوحيد والإيمان ; ويفرق بينهما وبين أيمان أهل الشرك والأوثان ويجعل فيها من الكفارة والتحليل ما جاء به النص والتنزيل واختص به أهل القرآن دون أهل التوراة والإنجيل . وهذا هو الشرع الذي جاء به خاتم المرسلين وإمام المتقين ; وأفضل الخلق أجمعين . صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ; وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث