الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

النذر المعقود لله على وجهين

وأما المعقود لله فعلى وجهين . " أحدهما " أن يكون قصده التقرب إلى الله ; لا مجرد أن يحض أو يمنع . وهذا هو النذر فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال [ ص: 49 ] : { كفارة النذر كفارة يمين } وثبت عنه أن قال : { من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه } . فإذا كان قصد الإنسان أن ينذر لله طاعة فعليه الوفاء به وإن نذر ما ليس بطاعة لم يكن عليه الوفاء به . وما كان محرما لا يجوز الوفاء به ; لكن إذا لم يوف بالنذر لله فعليه كفارة يمين عند أكثر السلف وهو قول أحمد وهو قول أبي حنيفة . قيل : مطلقا . وقيل : إذا كان في معنى اليمين .

" والثاني " أن يكون مقصوده الحض أو المنع أو التصديق أو التكذيب فهذا هو الحلف بالنذر والطلاق والعتاق والظهار والحرام كقوله : إن فعلت كذا فعلي الحج وصوم سنة ومالي صدقة وعبيدي أحرار ونسائي طوالق . فهذا الصنف يدخل في مسائل " الأيمان " ويدخل في مسائل " الطلاق والعتاق والنذر والظهار " . وللعلماء فيه ثلاثة أقوال . " أحدها " أنه يلزمه ما حلف به إذا حنث ; لأنه التزم الجزاء عند وجود الشرط وقد وجد الشرط فيلزمه : كنذر التبرر المعلق بالشرط . " والقول الثاني " : هذه يمين غير منعقدة فلا شيء فيها إذا حنث ; لا كفارة ولا وقوع ; لأن هذا حلف بغير الله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { من كان حالفا فليحلف بالله أو ليسكت } وفي رواية في الصحيح { : لا تحلفوا إلا بالله } [ ص: 50 ] " والقول الثالث " أن هذه أيمان مكفرة إذا حنث فيها كغيرها من الأيمان .

ومن العلماء من فرق بين ما عقده لله من الوجوب - وهو الحلف بالنذر - وما عقده لله من تحريم - وهو الحلف بالطلاق والعتاق - فقالوا في الأول : عليه كفارة يمين إذا حنث . وقالوا في الثاني : يلزمه ما علقه وهو الذي حلف به إذا حنث ; لأن الملتزم في الأول فعل واجب فلا يبرأ إلا بفعله فيمكنه التكفير قبل ذلك والملتزم في الثاني وقوع حرمة . وهذا يحصل بالشرط فلا يرتفع بالكفارة . و " القول الثالث " هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار وعليه تدل أقوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجملة كما قد بسط في موضعه .

وذلك أن الله قال في كتابه : { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين } إلى قوله : { ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } وقال تعالى : { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه } وهذا يتناول جميع أيمان المسلمين لفظا ومعنى . أما اللفظ فلقوله : { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } وقوله : { ذلك كفارة أيمانكم } وهذا خطاب للمؤمنين فكل ما كان من أيمانهم فهو داخل في هذا

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث