الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      قال المصنف رحمه الله تعالى ( فأما ما يحرم فيه الربا فينظر فيه فإن باعه بجنسه حرم فيه التفاضل والنساء والتفرق قبل التقابض ، لما روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الذهب بالذهب والفضة بالفضة والتمر بالتمر والبر بالبر والشعير بالشعير والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم ، إذا كان يدا بيد } فإن باعه بغير جنسه - نظرت فإن كان مما يحرم الربا فيهما لعلة واحدة كالذهب والفضة والشعير والحنطة - جاز فيه التفاضل وحرم فيه النساء والتفرق قبل التقابض لقوله صلى الله عليه وسلم : " { فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد } . فإن تبايعا وتخايرا في المجلس قبل التقابض بطل البيع لأن التخاير كالتفرق ، ولو تفرقا قبل التقابض بطل العقد ، فكذلك إذا تخايرا ، وإن تبايعا دراهم بدنانير في الذمة وتقابضا ثم وجد أحدهما بما قبض عيبا - نظرت فإن لم يتفرقا - جاز أن يرد ويطالب بالبدل لأن المعقود عليه ما في الذمة ، وقد قبض قبل التفرق ، وإن تفرق ففيه قولان : ( أحدهما ) يجوز إبداله لأن ما جاز إبداله قبل التفرق جاز بعده ، كالمسلم فيه .

                                      ( والثاني ) لا يجوز ، وهو قول المزني لأنه إذا أبدله صار القبض بعد التفرق ، وذلك لا يجوز . وإن كان مما يحرم فيهما الربا بعلتين كبيع الحنطة بالذهب والشعير [ ص: 506 ] بالفضة حل فيه التفاضل والنساء والتفرق قبل التقابض لإجماع الأمة على جواز إسلام الذهب والفضة في المكيلات المطعومة ) .

                                      التالي السابق


                                      ( الشرح ) حديث عبادة رواه مسلم . والنسائي - بالمد - التأجيل قال الشافعي والأصحاب : إذا باع مالا ربويا فله ثلاثة أحوال : ( أحدها ) أن يبيعه بجنسه فيحرم فيه ثلاثة أشياء ، التفاضل ، والنساء ، والتفرق قبل التقابض .

                                      ( الثاني ) أن يبيعه بغير جنسه لكنهما مما يحرم فيهما الربا بعلة واحدة ، كالذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر بالملح والزيت بالعسل فيجوز فيهما التفاضل والنساء والتفرق قبل التقابض ودليل الجميع في الكتاب . وحيث شرطنا التقابض فمعناه التقابض قبل التفرق الذي ينقطع به خيار المجلس كما سبق تفصيله . قال الشافعي في كتاب الصرف من الأم والأصحاب : لا بأس أن يطول مقامهما في مجلسهما ، ولا بأس أيضا بطوله متماشيين وإن طال مشيهما وتباعدا عن مجلس العقد ثم تقابضا قبل افتراقهما فيصح البيع لعدم افتراقهما . ولو باعه دينارا في الذمة بعشرة دراهم في الذمة ووصف الجميع أو كان في موضع فيه نقد غالب ولم يكن العوضان حاضرين ثم أرسلا من أحضرهما أو ذهبا مجتمعين إليهما وتقابضا قبل التفرق صح البيع وسلما من الربا . ولو وكلا أو أحدهما في القبض وحصل القبض قبل مفارقة العاقدين جاز وإلا فلا ، ومتى تفرقا قبل القبض وحصل القبض بطل العقد ويأثمان بذلك قال ابن الصباغ والأصحاب : يكون هذا ربا جاريا مجرى بيع الربوي نسيئة ، ولا يكفيهما تفرقهما في منع الإثم ، وإن كان يبطل كما أن العقد مع التفاضل باطل ويأثمان به . قال أصحابنا : فإن تعذر عليهما التقابض في المجلس وأرادا أن يتفرقا [ ص: 507 ] لزمهما أن يتفاسخا العقد قبل التفريق ، لئلا يأثما ، وإن قبض كل واحد منهما نصف المعقود عليه وتفرقا قبل قبض الباقي بطل العقد في الذي لم يقبض ، وفي بطلانه في المقبوض الطريقان السابقان فيمن اشترى عبدين فتلف أحدهما قبل القبض ( المذهب ) أنه لا يبطل ، بل يصح والله سبحانه وتعالى أعلم .

                                      قال المصنف والأصحاب : وإذا تخايرا في المجلس قبل التقابض فهو كالتفريق فيبطل العقد لما ذكره المصنف ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وقال ابن سريج : لا يبطل لظاهر الحديث فإنه يسمى يدا بيد . وإلى هنا انتهى كلام الشيخ . مصنفه أبي زكريا يحيى بن شرف النووي ، فأدركته المنية - رحمه الله - ونفعنا به في الدنيا والآخرة . والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .



                                      [ ص: 10 ] قال الإمام السبكي رحمه الله تعالى : قال المصنف والأصحاب : إذا تخايرا في المجلس قبل التقابض فهو كالتفرق فيبطل العقد لما ذكره المصنف ، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور وقال ابن سريج لا يبطل لظاهر الحديث ، فإنه يسمى يدا بيد .

                                      ( قلت ) هذا آخر ما وجد من شرح أبي زكريا النووي رحمه الله ، وأقول بعون الله تعالى : وفي المسألة وجه ثالث إن الإجارة لاغية والخيار باق بحاله ، وبه جزم الماوردي ، وقد شذ عن العراقيين بذلك ، فإنهم مطبقون على البطلان . وممن جزم بذلك منهم الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب ونقله عن الأصحاب والمحاملي المصنف وأتباعه وأكثرهم لم يحكوا خلاف ابن سريج ولا غيره في ذلك إلا سليما في التقريب فإنه حكاه وقال : إن المذهب البطلان [ ص: 11 ] ورأيته بخطه في تعليقة أبي حامد ، وقال : إنه حكاه في آخر الرهن . وأما المراوزة فالفوراني في العمدة وافق العراقيين وجزم بالبطلان . وأكثرهم يحكي وجهين مع اختلاف معنييهما . فالقاضي الحسين حكى وجه البطلان ووجه اللزوم في موضعين من كتابه بتلخيص كل منهما مراده كما ذكرناه . وتبعه صاحب التتمة وصاحب التهذيب . وعين أن المخالف هو ابن سريج . وإمام الحرمين حكى عن نقل شيخه وصاحب التقريب وجه إلغاء الإجارة ووجه اللزوم ولم يذكر وجه البطلان . وتبعه الغزالي في البسيط والوسيط مع زيادة ترجيح اللزوم .

                                      وقد انفرد بترجيح ذلك من بين المصنفين ووافقه عليه من فضلاء المتأخرين زين الدين الحلبي شيخ صاحب الوافي . فانتظم من النقلين في طريقة المراوزة الأوجه الثلاثة المذكورة كما هي أيضا مفرقة في طريقة العراق . وممن ذكرها مجموعة صاحب البحر . وعزا القول بالبطلان إلى جمهور الأصحاب . وأما الرافعي - رحمه الله تعالى - فإنه ذكر الثلاثة مفرقة في موضعين من كتابه على وجه يتوقف في الجمع بينهما . ففي باب الربا قال : والتخاير قبل القبض بمنزلة التفرق يبطل العقد . خلافا لابن سريج ، كما فعل صاحب التهذيب . وفي باب خيار المجلس حكى وجهين ( أحدهما ) إلغاء الإجارة ( والثاني ) لزوم العقد كما فعل إمام الحرمين . ولم يتعرض للتنبيه على أن كلا من الوجهين مخالف لما اقتضى كلامه في باب الربا ترجيحه . فاقتصار الرافعي على هذين الوجهين في هذا المكان يوهم الجزم بصحة العقد والنووي - رحمه الله تعالى - فعل هنا حيث وقف في باب الربا كما فعل الرافعي فيه ، وحكى في باب خيار المجلس فيما تقدم وجهي إلغاء الإجارة ولزوم العقد وقال : إن أصحهما اللزوم . قال : وفيه وجه ثالث أنه يبطل العقد فجمع الأوجه الثلاثة . لكن بعبارة توهم أن البطلان مرجوح . وهو قال هنا : إنه المذهب ( وأما ) قوله : أصحهما اللزوم فيمكن الاعتذار عنه بأنه الأصح من الوجهين ولا يلزم أنه الأصح مطلقا فلا منافاة بينه وبين أن يكون الثالث أصح منه .

                                      ( واعلم ) أن الرافعي وكذلك الشارح في هذا الفصل نقل [ ص: 12 ] عن ابن سريج أنه لا يبطل العقد . ولم يبين هل مراده بعد ذلك أنه يلزم العقد ؟ أم تلغو الإجارة ؟ وأن عدم بطلان العقد صادق على كلا الوجهين . لكن سليم في التقريب وصاحب العدة بينا ذلك صريحا فقالا : وعن أبي العباس فيه وجه أن العقد يلزم بذلك ولا يبطل ، وكذلك يقتضيه كلام صاحب التهذيب وكلام سليم وصاحب العدة أصرح ، وقول سليم وصاحب العدة أن القول بالبطلان هو المذهب قد يؤخذ منه أن ذلك منصوص الشافعي - رحمه الله - ولم أر هذه المسألة فيما وقفت عليه من نصوص الشافعي وإنما رأيتها في كلام الشيخ أبي حامد فمن بعده ، ولأجل إجمال الرافعي ومن وافقه في النقل عن ابن سريج حصل التباس على شيخنا ابن الرفعة في الكفاية ، فجعل قول ابن سريج كقول الماوردي والصواب ما قدمته ( والأصح ) عند الحنابلة كقول ابن سريج ، وعندهم احتمال كمذهبنا ( وأما ) مذهب مالك وأبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - فلا تأتي هذه المسألة عندهما ، لأنهما لا يقولان بخيار المجلس . توجيه كل وجه من ذلك أما القول بإلغاء الإجارة فقد استدل له الماوردي بأن اختيار الإمضاء إنما يكون بعد تقصي علقة العقد ، وبقاء القبض يمنع من تقصي علقه فمنع من اختيار إمضائه ، قال في البحر : وهذا حسن وليس كما قال فإن اختيار الإمضاء إما أن يكون يستدعي سبق صحة العقد أو سبق تقصي علقه إن كان الأول فهو حاصل ، وإن كان الثاني فمن جملة العلق القبض في غير الربوي ، ولا تتوقف الإجارة عليه اتفاقا وتخصيص محل النزاع دون غيره تحكم ، ثم إن حديث " البيعان بالخيار " يدل على أن الخيار معناه ما لم يتفرقا ، أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ، فمن ادعى أن الخيار يبقى بعد التخاير كان مخالفا لمفهوم الحديث ، بل ولمنطوقه على رأيي ، فإن فيه : فإذا كان بيعهما عن خيار فقد وجب البيع ، والشافعي رضي الله عنه يحمل ذلك على التخاير بعد العقد ، فاقتضى أن التخاير موجب للعقد مطلقا ، والله سبحانه أعلم .

                                      ( وأما ) قول ابن سريج فوجهه ظاهر ، لأن الشرط التقابض قبل التفرق وقد وجد ، وإلحاق التخاير بالتفرق في كل أحكامه ممنوع . والذي ثبت [ ص: 13 ] من الشرع مساواة التخاير للتفرق في لزوم العقد لا مطلقا ، فمن ادعى ذلك فعليه البيان ، وله أن يتمسك بحديث " المتبايعان بالخيار " ودلالته على وجوب العقد بالتخاير كما تقدم من غير تفصيل بين عقود الربا وغيرها . قالت الحنابلة : اشتراط التقابض قبل اللزوم تحكم بغير دليل ، لم يبطل بما إذا تخايرا قبل الصرف ما لم يتفرقا ، فإن الصرف يقع لازما صحيحا قبل القبض ، ثم يشترط القبض في المجلس . ونحن نمنع هذه المسألة على الأصح في مذهبنا ، ومن أثبت القول الذاهب إلى ذلك وأجرى ذاك في عقود الربا والسلم استحال القول بأن التخاير مبطل .

                                      ( واعلم ) أن من الأصحاب من يثبت أن ذاك قول الشافعي - رحمه الله - أعني صحة اشتراط نفي خيار المجلس ، فعلى هذا يتعين تخريج قول موافق لابن سريج في مسألتنا هنا ولا سبيل إلى أن يقال : إن ذلك لا يجري في عقود الربا ، والله سبحانه أعلم . وحينئذ أقول في توجيه ما اختاره أكثر الأصحاب : إن الدليل على اشتراط التقابض قوله صلى الله عليه وسلم { يدا بيد } وهذا اللفظ إما أن يكون ظاهرا في أنه يعطي بيد ويأخذ بأخرى ، وإما أن يكون محتملا له ، لكنا خرجنا عن ذلك . لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمالك بن أوس لما صرف من طلحة " لا تفارقه حتى تأخذ منه " فجعلنا ذلك منوطا بالتفرق وليس اعتبار التفرق لذاته ، بل لمعنى يمكن إحالة الحكم عليه ، وهو أن العقد قبل التفرق كأنه لم يوجد بدليل قوله صلى الله عليه وسلم " { كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا إلا بيع الخيار } " رواه البخاري ومسلم كلاهما بهذا اللفظ . اقتضى الحديث تنزيل العقد الذي لم يلزم بالتفرق أو التخاير منزلة العدم ، وأنه بعد التفرق أو الخيار ليس كذلك فإذا وجد القبض قبل انقضاء الخيار وجد في وقت كأنه لم تتكامل حقيقة العقد فيه فأشبه القبض الواقع وقت العقد ، بأن يعطي بيد ويأخذ بأخرى ، فكان أقرب إلى قوله صلى الله عليه وسلم " يدا بيد " بخلاف ما إذا وجد ذلك بعد اللزوم .

                                      وأما اعتبار التفرق من حيث هو ، فلا معنى له ولم يرد في الشرع ما يدل عليه ، ولا أن التقابض قبله مطلقا كاف ، ويتأيد ذلك بأن الأصل عندنا في بيع الربويات التحريم ، إلا ما قام الدليل على إباحته كما سننبه عليه إن [ ص: 14 ] شاء الله تعالى ، فإذا تعارض ما يقتضي إلحاق التخاير بالتفرق ، وما يقتضي عدمه ، تعين الرجوع إلى الأصل ، فكيف ولم يحصل تعارض ؟ فإن الشارع لم ينص على أنه متى حصل التقابض قبل التفرق صح العقد ، ولا على جعل التفرق من حيث هو مظنة بل شرط أن يكون يدا بيد ، والعقد بالتخاير موجود حقيقة وحكما ، وتقدم صحة العقد على شرطه ممتنع . وأما ما قبل التخاير فالصحة المحكوم بها كلا صحة لما قدمناه فكذلك اكتفي بالقبض فيها ، وأيضا فالتفرق اعتبر للدلالة على تكامل الرضا ، والتخاير المصرح بذلك أولى . " فإن قلت " التخاير قبل التقابض إما أن يكون صحيحا أو باطلا ، فإن كان صحيحا وجب أن يترتب عليه مقتضاه وهو اللزوم كما قال ابن سريج ، وإن كان باطلا وجب أن يلغو ويبقى الخيار بحاله كما قال الماوردي ، فالحكم بكونه مبطلا للعقد بعيد ( قلت ) بطلان العقد لم ينشأ عن التخاير ، بل عن عدم التقابض ، والتخاير مبين لنا غاية الوقت الذي اشترط فيه التقابض كالتفرق ، فالتخاير قاطع للمجلس حقيقة ، لوجود حقيقة الرضا الكامل ، وإن تخلف لزوم العقد عنه ، والله تعالى أعلم .

                                      ( التفريع ) إذا قلنا بقول ابن سريج فتقابضا بعد ذلك قبل التفرق ، فقد تم العقد لأنه لزم بالتخاير ، وإن تفرقا قبل أن يتقابضا انفسخ العقد وهل يأثمان بذلك ؟ جزم الإمام والغزالي والرافعي - رحمهم الله تعالى - والنووي - رحمه الله تعالى - في هذا المجموع في باب الخيار أنه باللزوم يتعين عليهما التقابض ، وأنهما إن تفرقا قبل التقابض انفسخ العقد بعد اللزوم ولا يعصيان إن كان تفرقهما عن تراض وإن فارق أحدهما انفسخ العقد وعصى بانفراده بما يضمر فسخ العقد واسقاط المستحق عليه ، وما جزموا به من كونهما لا يعصيان إذا تفرقا عن تراض ينافي ما قاله ابن الصباغ والمتولي ، ونقله النووي عن الأصحاب فيما تقدم أن التفرق قبل التقابض في عقود الربا يأثمان به ، وإن كان الخيار باقيا ، وأنه يكون جاريا مجرى بيع الربوي نسيئة ، وكذلك جزم به القاضي أبو الطيب الطبري ، وفي كلام الشافعي - رحمه الله تعالى - ما يشير إلى ذلك ، فإنه قال في الإملاء إذا تفرق المتبايعان قبل أن يتقابضا صار ربا ، وانفسخ فيه البيع ، وقال في كتاب الصرف من [ ص: 15 ] الأم : إذا صرف الرجل شيئا لم يكن له أن يفارق من صرف منه ، حتى يقبض منه ، ولا يوكل به غيره إلا أن ينفسخ البيع ثم يوكل هذا بأن يصارفه وقال النووي - رحمه الله تعالى - فيما تقدم : قال أصحابنا : فلو تعذر عليهما التقابض في المجلس وأرادا أن يتفرقا لزمهما أن يتفاسخا العقد قبل التفرق لئلا يأثما فإذا كان هذا في زمان الخيار فبعده أولى بلا شك ويتجه أن يخرج من كل من الكلامين إلى الآخر وللنظر في كل منهما مجال يتجه أن يقال إن ذلك حرام مطلقا لأن الشارع نهى عن هذا العقد إلا يدا بيد وحكم على كل عقد من هذه العقود بأنه ربا إلا : ها وها فمتى لم يحصل هذا الشرط حصل المنهي عنه وحصل الربا والربا حرام وهذا الذي يقتضيه ظاهر إطلاق الأصحاب لفظ الحرمة على هذه الأمور في عقود الربا كقولهم : حرم النساء والتفرق قبل التقابض وليس تفرقهما كتفاسخهما فإنهما بالتفاسخ رفعا العقد فلا يلزمهما شروطه وإذا لم يرفعاه وتفرقا فقد خالفا بالتفرق وجعلاه عقد ربا ، والبطلان حكم من الشرع عليهما ويحتمل أن يقال : إنه ليس المراد هاهنا بالحرمة إلا أن هذه الأشياء شروط في الصحة .

                                      قال السمرقندي - رحمه الله - من الحنفية في كتاب المطلوب في الخلاف : إن المعني بصحة العقد وفساده هنا وقوعه مقتضيا ثبوت أحكام مخصوصة دون الحرمة المطلقة ، فإنهما إذا تبايعا وافترقا من غير قبض لا يأثمان ولكن يمتنع ثبوت هذه الأحكام عند الشافعي - رحمه الله - وعندنا لا يمتنع يعني في بيع الطعام بالطعام فأفهم كلامه أن الإمامين غير قائلين بالحرمة المطلقة ، والأول أرجح وأقرب إلى أصل الشافعية الذي تقدمت الإشارة إليه ويأتي إن شاء الله تعالى .

                                      ( أما ) بعد اللزوم على رأي ابن سريج فرضاهما بالفسخ لا أثر له ولم يبق إلا صورة التفرق فيتجه الجزم بالتحريم وإن رضيا به لأنهما رضيا بما يحقق العقد المنهي عنه ، فالقول بالتحريم في زمان الخيار مع عدم التحريم بعد التخاير مما لا يجتمعان .

                                      ( فإن قلت ) القول بعدم التحريم بعد التخاير إنما ذكروه تفريعا على رأي [ ص: 16 ] ابن سريج فجاز أن يكون ابن سريج مخالفا في ذلك الأصل فلا يلزم أن يجتمع كلامه مع كلام الأصحاب ( قلت ) القائلون بذلك تفريعا على رأي ابن سريج لم ينقلوا التفريع المذكور عنه وإنما فرعوه كسائر التفاريع المذهبية فلذلك حسن الإيراد عليهم ، وأيضا فقد قلنا فيما تقدم أنه يتعين تخريج قول مثل قول ابن سريج ، وإذا ثبتنا للشافعي قولا بصحة العقد والشرط فيما إذا تبايعا على أن لا خيار لهما .

                                      ( فإن قلت ) إنهما في زمان الخيار متمكنان من الفسخ فلهما طريق في رفع العقد قبل التفرق فلا يباح لهما التفرق ، وأما بعد اللزوم فلا طريق لهما إلا التفرق ( قلت ) بعد اللزوم لا طريق لهما إلى رفع العقد ، وارتفاعه إنما يحصل بغير اختيارهما كتلف المعقود عليه فإذا تفرقا فقد فعلا ما ليس لهما فعله وإن كان يرتفع العقد به والله سبحانه أعلم .

                                      ( وأما ) جزمهم بأنه إذا فارق أحدهما يعصي لقطعه ما هو مستحق عليه ، فعلى قاعدتهم وقولهم أنهما إذا تفرقا راضيين لا يعصيان فيه نظر فإنه لا يمتنع على الإنسان أن يتصرف في نفسه أو خاص ملكه تصرفا ينقطع به حق غيره إذا كان التصرف في نفسه مباحا ألا ترى أن المكاتب يعجز نفسه فينقطع به حق السيد عنه ، والزوج يطلق قبل الدخول فينقطع به حق المرأة في نفس الصداق عنه ، وإنما يمتنع إذا كان ذلك مقصودا للشرع فحينئذ يمتنع كل منهما أن يفارقه لاستلزامه تفويت التقابض المستحق بالعقد شرعا تحرزا عن الربا . والله أعلم . هذا كله إذا فرعنا على قول ابن سريج ، وإن فرعناه على ما اختاره الماوردي فالخيار باق بحاله فإن تقابضا بعد ذلك قبل الافتراق صح العقد واستقر وكانا بالخيار ما لم يتفرقا أو يتخيرا ، كذلك صرح الماوردي والله أعلم . وعلى ما اختاره أكثر الأصحاب لا إشكال في التفريع ، فإن التخاير ملحق بالتفرق من جميع وجوهه ، ومقتضى ذلك أن يأثما به كما يأثمان بالتفرق ، والتخاير المبطل أن يكون منهما معا لأنه الذي ينقطع به خيارهما كالتفرق ، أما إذا أجاز أحدهما فليس ذلك في معنى التفرق ، حتى يبطل به ، فإن مجلس العقد باق فإن أجاز الآخر بعد ذلك قبل التقابض لا إثم كما تقدم وفي الحكم بإثم السابق بالإجازة من غير مواطأة نظر وهذا الذي [ ص: 17 ] قلته من التفريع على قول أكثر الأصحاب تفقه لم أر شيئا منه منقولا . والله أعلم .

                                      ( فرع ) ما تقدم من الكلام فيما إذا فارق أحدهما تفريعا على رأي ابن سريج صورته أن يكون بغير إذن صاحبه ، كذلك صرح به في الوسيط ، وعبارته في البسيط : وإن هرب أحدهما وهي أصرح في المقصود ، وعليه يحمل إطلاق الإمام والرافعي ، أما لو فارق أحدهما برضى الآخر ، فإن حكمه ما لو تفرقا ، والله سبحانه أعلم .

                                      ( فرع ) جميع ما تقدم من الخلاف في حكم الإجارة في عقود الربا والصرف التي يشترط فيها التقابض وببطلان العقد بذلك أو لزومه ، أو إلغاء الإجارة . وتفاريع ذلك جار بعينه في السلم ، لو أجزت الإجارة قبل قبض رأس المال فيه ذكر القاضي حسين المسألتين وتكلم فيهما . وكذلك الإمام وصاحب التهذيب ، والله تعالى أعلم .



                                      ( فرع ) إذا باع مال ولده من نفسه في عقد الصرف أو غيره مما يشترط فيه القبض في المجلس . وفارق مجلسه ذلك ولم يحصل القبض بطل العقد على أصح الوجهين في أنه إذا فارق المجلس يلزم العقد . وقيل لا يلزم إلا باختيار اللزوم وذكر الماوردي أنه قول جمهور أصحابنا . فعلى هذا في الصرف يجوز أن يقبض بعد مفارقة المجلس ما لم يبطل الخيار باختيار اللزوم . قاله صاحب التهذيب وصاحب العدة . ولنا وجه في أصل المسألة أنه لا يثبت في هذا العقد خيار مجلس أصلا . وعلى هذا أيضا يكون المعتبر مجلس العقد . فإذا فارقه بطل . قاله صاحب العدة . والله أعلم .

                                      ( فروع ) حيث اشتراطنا التقابض ، فسواء تركه ناسيا أم عامدا في فساد البيع نص عليه الشافعي - رحمه الله - في الأم ، وسواء علما فساد العقد بتأخر القبض أم جهلا . قاله الماوردي ، وسواء كان ذلك اختيارا أو كرها نقله صاحب الاستقصاء عن الإيضاح . ولم أر ذلك في غير الاستقصاء . ولعلك أن تقول قد حكوا خلافا في انقطاع الخيار بالتفرق على وجه الإكراه والصحيح أنه لا ينقطع ، فجعلوا الإكراه هناك عذرا ، فهل كان هاهنا عذرا ؟ وكيف يحكم ببطلان العقد مع بقاء الخيار الدال على بقاء [ ص: 18 ] المجلس ؟ والشرط أن يتقابضا في المجلس لا غير ، وأن يكون ذلك التفرق كلا تفرق .

                                      ( فإن قلت ) قد نص الشافعي - رحمه الله - على أن النسيان في ذلك كالعمد ، وهو يشعر بأن الإكراه كالاختيار ( قلت ) النسيان له صورتان : أن ينسى العقد ويفارق المجلس ثم يتذكر . وفي هذا قال إمام الحرمين - رحمه الله - : لا شك أنه ينقطع خياره وأنه لا وجه لتقريب ذلك من الحنث في اليمين ، فإن الحالف جعل اليمين وازعة ، واليمين المنسية لا تزع ، والناسي إذا فارق مجلس العقد في حكم مضيع حق نفسه بالنسيان ، وقصد بهذا الفرق بينه وبين المكره ، فهذه الصورة إذا حمل كلام الشافعي رضي الله عنه عليها لا ترد على المكره لأن الإكراه تعلق بالتفرق ، والإكراه يسقط اعتبار المكره عليه ، فصار وجود التفرق كعدمه ، والنسيان المذكور لم يتعلق بالتفرق ، بل التفرق مقصود والنسيان متعلق بالعقد فلا جرم رتب على التفرق المقصود اختيار أثره ، وأما الصورة الثانية من النسيان فهي أن يوجد منه التفرق غير قاصد له ، بل على وجه السهو والغفلة ، وإن كان في تسمية هذا نسيانا نظر ، فهذا إذا وقع على هذه الصورة يمكن إلحاقه بالإكراه بل يتعين . وقد قال صاحب الذخائر في الناسي : إن بعض أصحابنا قال : ينقطع خياره بالمفارقة ناسيا ، لأنه لا يعدم سوى القصد ولا تأثير للقصد إذ هو غير شرط . قال وفيه نظر ، فإنه حق ثابت لم يرض بإسقاطه فكيف يسقطه ؟ ويحتمل تخريجه على من أكره على التفرق وترك التخاير ، وكذلك القول في الجاهل ، آل القول في ذلك إلى أن القصد في التفرق هل يشترط أم لا ؟ فمن لم يشترطه اكتفى بصورة التفرق ، ومن اشترطه لم يكتف بذلك ، ولا يرد عليه الجنون لأنه انتقل عنه الخيار إلى غيره فهو كالميت .

                                      ( قلت ) فإذا تأملت كلام صاحب الذخائر وعليه كلام بعض الأصحاب التي نقلها علمت أن ذلك الكلام إنما يظهر في الصورة الثانية ، وتقوى فيه حينئذ ما قاله صاحب الذخائر . ومتى حمل على الأول لا يستقيم عليه صاحب ذلك الوجه . ومتى ثبت أن التفرق على وجه السهو والغفلة لا يقطع الخيار ، يجب أن لا يبطل العقد بالتفرق على ذلك الوجه قبل التقابض ، والله عز وجل أعلم . [ ص: 19 ] وأما الفرع الثاني الذي قاله الماوردي - رحمه الله تعالى - فظاهر . لأن الجهل بالحكم الشرعي لا يدفع ثبوته . وقول صاحب الذخائر المتقدم فيه نظر إن حمل على الجهل بالحكم يتعين ما قلناه من سقوط الخيار ، وإن حمل على الجهل بأن ذلك العقد سمي تفرقا اتجه أن يبقى خياره . والله سبحانه وتعالى أعلم .

                                      ( فروع ) نص عليها الشافعي في الأم قال رضي الله عنه : ومن اشترى فضة بخمسة دنانير ونصف فدفع إليه ستة وقال : خمسة ونصف بالذي عندي ونصف وديعة فلا بأس به . ولا بأس إذا صرف منه وتقابضا أن يذهبا فيزنا الدراهم . وكذلك لا بأس أن يذهب هو على الانفراد فيزنها . وحمله صاحب البيان على أن يكون أحدهما عرف الوزن وصدقه الآخر وتقابضا على ذلك ، وما حمله عليه فيه بحث سأذكره في باب الصبرة بالصبرة والله أعلم . قال الشافعي - رحمه الله - : ولا بأس أن يصرف الرجل من الصراف دراهم فإذا قبضها وتفرقا أودعه إياها .

                                      ( فرع ) قال الشافعي - رحمه الله تعالى - : لا بأس أن يقبض بعد الصرف ويدفع ما قبضه منه إلى غيره ، أو يأمر الصراف أن يدفع باقيه إلى غيره إذا لم يتفرقا من مقامهما حتى يقبضا جميع ما بينهما ( مثاله ) أن يصرف دينارا بعشرين منه . عشرة ثم عشرة قبل أن يتفرقا . وكذلك قال الماوردي - رحمه الله - : لا يلزم دفع جميعه مرة واحدة . والله تعالى أعلم .



                                      ( فرع ) لو اختلفا بعد الافتراق فقال أحدهما : تفرقنا عن قبض . وقال الآخر بخلافه . كان القول قول من أنكر القبض . ويكون الصرف باطلا . قاله الماوردي وقال : ( فإن قيل ) أليس لو اختلفا بعد الافتراق في الإمضاء والفسخ كان القول في أحد الوجهين قول من يدعي الإمضاء ، والبيع لازم ؟ فهل كان اختلافهما في القبض مثله ؟ ( قيل ) الفرق بينهما أن من ادعى الفسخ ينافي بدعواه مقتضى العقد ، لأن مقتضاه اللزوم والصحة إلا أن يتفقا على الفسخ ، فكان الظاهر موافقا [ ص: 20 ] لقول من ادعى الإمضاء ، وليس كذلك من ادعى القبض ، لأن الأصل عدم القبض على أن أصح الوجهين أن القول قول مدعي الفسخ .

                                      ( قلت ) قوله : إن أصح الوجهين أن القول قول مدعي الفسخ ، وافقه عليه ابن أبي عصرون ، وهو مخالف لما صححه الرافعي وجماعة أن القول قول المنكر للفسخ لأنه الأصل .

                                      ( وأما ) ما جزم به قول منكر القبض ، فقد خالفه فيه ابن أبي عصرون ونقل فقال : إن كان ما باع كل واحد منهما في يده فالقول قول من يدعي عدم حصول القبض ، لأن الحال يشهد به ، وإن كان المالان في يد أمين لا يعلم الحال أو في موضع البائع ، فالقول قول من يدعي حصول القبض ، لأن الأصل صحة العقد ووجود ما يقتضيها ، وكذلك لو أقام كل واحد منهما بينة قدمت بينة الصحة لأن معها زيادة علم ، هكذا ذكر في الانتصار . ووقع في النسخة التي وقفت عليها من المرشد في القسم الأول ، أن القول قول من يدعي حصول القبض ، ونقله ابن الرفعة عنه كذلك فجعل القول قول من يدعي حصول القبض في القسمين ، وذلك محمول على غلط من النسخة سقط منها عدم من النسخة التي رأيتها ، ومن النسخة التي وقعت لابن الرفعة ، وليس في المرشد تعليل يرشد إلى المعنى ، فلذلك وقع الوهم لابن الرفعة ، وهذه من آفة الكتب المختصرة .

                                      ( وأما ) الانتصار فوقع الكلام فيه على الصواب وتعليله يرشد إليه على أن ما قاله الماوردي أقوى مما قاله ابن أبي عصرون ، لكن ابن الرفعة بعد أن حكى كلام صاحب المرشد على ما وجده قال : ويعضد ذلك ما حكاه ابن الصباغ في السلم فيما إذا اختلفا في قبض رأس المال قبل التفرق أو بعده أن القول قول من يدعي الصحة ، قال : ولم يحك سواه وطرده فيما إذا كان في يد المسلم . وادعى المسلم إليه أنه أودعه إياه أو غصبه



                                      ( قاعدة ) الأصل عندنا وعند المالكية في بيع الربويات بجنسها أو ما يشاركها في علة الربا التحريم ، إلا ما قام الدليل على إباحته ، وهذا الأصل مستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم " { لا تبيعوا الذهب بالذهب ، ولا الورق [ ص: 21 ] بالورق إلا وزنا بوزن ، مثلا بمثل ، سواء بسواء } " لفظ مسلم - رحمه الله تعالى - في حديث أبي سعيد . وفي حديث عبادة " { سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ، إلا سواء بسواء ، عينا بعين ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى } " لفظ مسلم أيضا ، ومن قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عمر رضي الله عنه " { الذهب بالورق ربا إلا ها وها } " الحديث متفق على صحته لفظ البخاري " الذهب بالورق ولفظ مسلم : الورق بالذهب ، ومن قوله صلى الله عليه وسلم " { فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم ، إذا كان يدا بيد } " لفظ مسلم في حديث عبادة . وجه الاستدلال أنه صلى الله عليه وسلم في الحديث الأول صدره بالنهي ثم استثنى منه ، وفي حديث عمر رضي الله عنه صدره بالحكم على ذلك بالربا ثم استثنى وفي الحديث الآخر وهو بقية حديث عبادة علقه على شرط ، والمشروط عدم عند عدم الشرط ، والأصل عدمه ، وهذه قاعدة شريفة نافعة في مسائل من باب الربا ، كمسألة بيع الحفنة بالحفنتين ، والجهل بالمماثلة وغير ذلك كما سننبه عليه إن شاء الله تعالى . وفي مظان الاشتباه وتعارض المأخذ إذا تساوت يجب الحكم بالتحريم عملا بالأصل ، وقد صرح الشافعي - رحمه الله تعالى - في الأم بأن الأصل ذلك ويخالفنا في ذلك الحنفية ، لأن الأصل عندهم في ذلك الجواز لاندراجه في جملة البيع ، ويجعلون عقود الربا وسائر ما نهى عنه مخرجا من ذلك الأصل ، ويؤول تحقيق بحثهم إلى أن عقد الربا اشتمل على وصف مفسد فهو كسائر البيوع التي اقترن بها ما يفسدها ، وممن صرح بنقل هذين الأصلين عند المذهبين من أصحابنا الخلافيين الشريف المراغي وأبو المظفر بن السمعاني ومحمد بن يحيى وغيرهم ، قالوا : واللفظ المراعى : الأصل عندنا في الأموال الربوية التحريم ، والجواز ثبت على خلافه رخصة مقيدة بشروط ، وعندهم الأصل الجواز ، والتحريم ثبت على خلافه عند المفاضلة . ونقل ابن العربي المالكي عن أبي المطهر خطيب أصفهان قال : قال لنا [ ص: 22 ] المنذري : الأصل في الأموال الربوية حظر البيع حتى يتجه تحقيق التماثل ، وعند أبي حنيفة - رحمه الله - الأصل إباحة البيع حتى يمنعه حقيقة التفاضل ، وما قلناه أصح ، وممن صرح بهذا الأصل من المالكية الطرطوشي وابنه في كلامه ، وقد رأيت ما هو منسوب إلى الحنفية في كتبهم ، وتحقيقه عندهم ما قدمته ، وهذه القاعدة يظهر نفعها في مواضع سأنبه عليها إن شاء الله تعالى ، وتقدم التنبيه على بعضها . ( فإن قلت ) كيف تستقيم دعوى هذه القاعدة ؟ وقد اشتهر عن الشافعي - رحمه الله تعالى - في كلامه في معنى قوله تعالى { وأحل الله البيع } وأن أظهر معانيها عنده أنها عامة تتناول كل بيع وتقتضي إباحة جميعها إلا ما خصه الدليل وقد تقدم في هذا المجموع ذكر أقوال الشافعي - رحمه الله تعالى - في ذلك ، وأن هذا القول أصحها عنده وعند أصحابه ، وعقد الربا فرد من أفراد البيوع ، فيكون الأصل فيه الجواز كما تقوله الحنفية ، وما خرج منها بالتخصيص كان على خلاف الأصل .

                                      ( قلت ) مسلم أن الآية شملت دلالتها كل بيع ، وأخرج منها عقود الربا بقوله صلى الله عليه وسلم " لا تبيعوا الذهب بالذهب " الحديث ونظائره ، وبقوله تعالى ( { وحرم الربا } ) إن صح الاستدلال منه لما سننبه عليه إن شاء الله تعالى ، فصار هذا أصلا ثابتا أخص من الأول ، لأن هذا خاص بالربويات ، ثم استثنى من هذا الأصل أحوال وهو ما إذا حصل المساواة والحلول والتقابض في الجنس الواحد . والحلول والتقابض خاصة في الجنسين . فأبو حنيفة - رحمه الله - نظر إلى الأصل الأول . وهو إباحة البيوع وجعل صورة المفاضلة في الربويات مخرجة منه . والشافعي - رحمه الله - نظر إلى الأصل الثاني القريب وهو التحريم في الربويات كلها ثم جعل حالة التماثل مخرجة منه . والحنفية ينازعون في تقرير هذا الأصل الثاني ويقولون : إن قوله صلى الله عليه وسلم : " { لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء } " وما أشبهه من هذه الصيغ في معنى . وقد صرح الشافعي - رحمه الله - في الأم بأن أصل البيوع كلها مباح إلا ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وما في معناه ، كل ذلك واحد ، ثم تارة يجعلون المقصود فساد البيع عند عدم المماثلة التي هي واجبة ، قال [ ص: 23 ] هؤلاء : لأن الكلام المفيد بالاستثناء يصير عبارة عما وراء المستثنى وكلهم يحومون على جعل المعنى كلاما واحدا ، ولذلك يبنون كلامهم في باب الربا على حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " { الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح ، مثلا بمثل يدا بيد ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى } " رواه مسلم رحمه الله تعالى ، فلم يأت في هذا اللفظ صيغة نهي واستثناء ، فكان المعنى الحكم بإيجاب المماثلة ، قالوا : ولا يتصور الحكم بدون محله ، ومحله المماثلة ، وهو القابل لها ، فعرفنا أن المحل الذي لا يقبل المماثلة في الكيل إجماعا . والجواب عن هذا أن كلا من خبر أبي سعيد وخبر عبادة ورد بلفظ الإثبات فقط ، وورد بلفظ النهي والاستثناء ، وألفاظهما بذلك كلها في الصحيح ولا تنافي بينهما ، واللفظ الذي فيه نفي وإثبات فيه زيادة ، على ما فيه إثبات فقط ، فيجب العمل بمقتضاه ، ودعواهم أن النهي والاستثناء في معنى كلام واحد ، وهو النهي عما وراء المستثنى فقط ، وإيجاب المستثنى فقط ممنوع ولا دليل عليهما ، وفيهما تعطيل لبعض مدلول الكلام ، فهذه قاعدة مهمة ينبغي الاعتناء بها فمن أتقنها وأتقن تحقيق العلة في الربويات ، وهل الجنس وصف في العلة أو شرط فيها أو محل لها ؟ وحقق النظر في الأجناس ، فقد أحاط علما بجميع أصول هذا الباب ، ولولا خوف الإطالة لأمعنت الكلام في هذه القاعدة أكثر من هذا ، ولكني أرجو أن يكون فيما ذكرته كفاية ، وسوف أعود إليها عند الكلام في اعتبار التساوي في الكيل في أول الفصل السادس من كلام المصنف إن شاء الله تعالى ، وسأنبه على الأمرين الآخرين اللذين أشرت إليهما إن شاء الله تعالى في محلهما ، والله تعالى أعلم .

                                      ( فائدة ) تقدم أن الأصح عند الشافعي رحمه الله تعالى - أن البيع على عمومه إلا ما خصه الدليل وهو مذهب أكثر الفقهاء . وللشافعي أقوال أخر تقدم نقلها في المجموع . وفي المسألة قول آخر لبعض الفقهاء لم تتقدم حكايته ، فأحببت أن أنبه عليه . وهو أن البيع في الآية من قبيل العموم الذي لا خصوص فيه ولا يدخله الخصوص لأنه لا بيع إلا وهو حلال . [ ص: 24 ] وهؤلاء يمنعون تسمية شيء من البياعات الفاسدة بيعا ، ويقولون : إن نفي الحكم عن الاسم يمنع من وقوع الاسم عليه إلا مجازا . حكى ذلك القاضي عبد الوهاب المالكي . فعلى هذا لا يبقى للحنفية فيه دليل على ما يدعونه . والله سبحانه وتعالى أعلم .



                                      ( فائدة أخرى ) تقدم في كلامي توقف في الاستدلال بقوله تعالى { وحرم الربا } على تخصيص البيع وذلك لأن الناس اختلفوا في مدلول الربا فقال ابن داود الظاهري : حقيقة هذه اللفظة الزيادة في نفس الشيء خاصة لقوله تعالى { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت } والأرض إنما تربو في نفسها لا فيما يقابلها ولا يطلق على الزيادة في المقابل إلا مجازا . ولعله ذهب إلى ذلك حتى يسد باب الاحتجاج على أبيه فقوله تعالى { وحرم الربا } هو أنه يشمل الربا فيهما عدا الأشياء الستة المنصوص عليها وقال ابن سريج إنه وإن وضع للزيادة في نفس الشيء يقابله عرفا ويكون من الأسماء العرفية في الشرع كالصلاة . ومال آخرون إلى انطلاق اللفظ على المعنيين انطلاقا متساويا . ومن الناس من ذهب إلى أن هذه التسمية تطلق على كل بيع محرم . وأضيف هذا المذهب إلى عائشة رضي الله عنها لأجل قولها : " { لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا خرج النبي صلى الله عليه وسلم فحرم التجارة في الخمر } " متفق عليه ، أشارت إلى أن بيع الخمر لما كان محرما كان ربا . وأضيف أيضا إلى عمر رضي الله عنه لقوله : إن من الربا بيع التمر وهي معصفة قبل أن تطيب ، ويحتجون بإطلاق اسم الربا على النسيئة في الذهب بالفضة لكونها محرمة وإن كان التفاضل جائزا حكى هذه الأقوال الأربعة الإمام أبو عبد الله المازري المالكي .

                                      فعلى قول ابن داود لا يكون الربا داخلا في مسمى البيع ألبتة حتى يختص به ، بل يكون واردا على ربا الجاهلية . وهو أن يكون للرجل على الرجل الحق إلى أجل ، فإذا حل الأجل قال : أتقضي أم تربي ؟ فإن قضاه أخذه وإلا زاده في حقه وزاده الآخر في الأجل . وقد ذهبت طائفة منهم القاضي أبو حامد من أصحابنا إلى حمل الآية على ذلك وأن الألف واللام في الربا للعهد ، وليس هذا موضع تقوية ذلك أو توهينه ، ولكن غرضي أن تخصيص قوله ( { وأحل الله البيع } ) بها لا يسلم [ ص: 25 ] من نزاع بخلاف تخصيصه بالنسيئة . وهكذا فعل الشافعي رضي الله عنه قال في الأم : أصل البيوع كلها مباح إذا كانت برضا المتبايعين الجائزي الأمر فيما تبايعا ، إلا ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ، وما كان في معنى ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم محرم بإذنه داخل في المعنى المنهي عنه . وما فارق ذلك أبحناه بما وصفنا من إباحة البيع في كتاب الله تعالى ا هـ ، فجعل المخصص هو السنة فحسب . وممن مال إلى أن المراد بالربا كل بيع فاسد أبو بكر بن العربي المالكي . وقال : إن الآيتين يعني قوله تعالى { وأحل الله البيع وحرم الربا } اقتضيا كتاب البيوع كله على الشمول دون التفصيل ، وفصله النبي صلى الله عليه وسلم في ستة وخمسين حديثا . وقال الروياني : قيل الربا في الشرع اسم لمقابلة عوض بعوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد ، أو تأخر في البدلين أو في أحدهما .

                                      ( قلت ) وهذا حسن في تعريفه ، سواء كان حقيقة أم مجازا .



                                      فصل : في مذاهب العلماء في الأحكام التي ذكرها المصنف في هذا الفصل إلى هذا المكان ، اقتضى قول المصنف أنه إذا باع الربوي بجنسه حرم فيه التفاضل والنساء والتفرق قبل التقابض ، وإذا باعه بما يشاركه في العلة حرم النساء والتفرق فقط ، وأن الشعير والحنطة جنسان ، فهذه خمسة أحكام منها ما هو مجمع عليه ، ومنها ما هو مختلف فيه ، وسأبين ذلك واحدا واحدا إن شاء الله تعالى .

                                      ( الحكم الأول ) تحريم التفاضل في الجنس الواحد من أموال الربا إذا بيع بعضه ببعض ، كبيع درهم بدرهمين نقدا أو صاع قمح بصاعين ، أو دينار بدينارين ويسمى ربا الفضل ، لفضل أحد العوضين على الآخر ، وربا النقد في مقابلة ربا النسيئة . وإطلاق التفاضل على الفضل من باب المجاز . فإن الفضل في أحد الجانبين دون الآخر ، وقد أطبقت الأمة على تحريم التفاضل إذا اجتمع مع النساء ، وأما إذا انفرد نقدا فإنه كان فيه خلاف قديم صح عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما إباحته ، وكذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما مع رجوعه عنه . وروي عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه [ ص: 26 ] وأسامة بن زيد رضي الله عنه وفيه عن معاوية شيء محتمل . وزيد بن أرقم والبراء بن عازب من الصحابة رضي الله عنهم ( فأما ) التابعون فصح ذلك أيضا عن عطاء بن أبي رباح وفقهاء المكيين .

                                      وروي عن سعيد وعروة ثم روي عن ابن عباس ما يقتضي رجوعه عن ذلك . وكذلك عن ابن مسعود ، وانتداب جماعة من العلماء لتبيين رجوع من قال بذلك من الصدر الأول والتشوف إلى دعوى الإجماع على التحريم . وها أنا إن شاء الله تعالى - أبين ما روي من الآثار عن القائلين بذلك . ثم ما روي من رجوع من رجع عنه . ثم أذكر كلام من تشوف لجعل المسألة إجماعية . ثم أبين الحق في ذلك بحول الله تعالى وقوته . فهذه أربعة فصول . القائلون بجوازه ( الأول ) ما روي من الآثار عن القائلين بذلك : روينا عن أبي صالح الزيات أنه سمع أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول : " الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم فقلت له : فإن ابن عباس لا يقوله . فقال أبو سعيد : سألته فقلت : سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم أو وجدته في كتاب الله تعالى ؟ فقال : كل ذلك لا أقول ، وأنتم أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم مني ، ولكن أخبرني أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " { لا ربا إلا في النسيئة } " رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري فيما رويناه عنه . وقد اجتمع في هذا الحديث ثلاثة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض . وروي عن ابن الزبير المكي واسمه محمد بن مسلم بن تدرس بفتح التاء ودال ساكنة وراء مضمومة وسين مهملة قال " سمعت أبا أسيد الساعدي وابن عباس يفتي الدينار بالدينارين فقال له أبو أسيد الساعدي وأغلظ له . قال : فقال ابن عباس : ما كنت أظن أن أحدا يعرف قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لي مثل هذا يا أبا أسيد . فقال أبو أسيد : أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم { يقول : الدينار بالدينار ، وصاع حنطة بصاع حنطة ، وصاع شعير بصاع شعير ، وصاع ملح بصاع ملح ، لا فضل بينهما في شيء من ذلك } . فقال ابن عباس : إنما هذا شيء كنت [ ص: 27 ] أقوله برأيي ولم أسمع فيه بشيء " رواه الحاكم في المستدرك وقال إنه صحيح على شرط مسلم - رحمه الله - وفي سنده عتيق بن يعقوب الزبيري . قال الحاكم : إنه شيخ قرشي من أهل المدينة وأبو أسيد بضم الهمزة وروينا في معجم الطبراني من حديث أبي صالح ذكوان أنه سأل ابن عباس عن بيع الذهب والفضة فقال " هو حلال بزيادة أو نقصان ، إذا كان يدا بيد قال أبو صالح : فسألت أبا سعيد بما قال ابن عباس ، وأخبرت ابن عباس بما قال أبو سعيد والتقيا وأنا معهما ، فابتدأه أبو سعيد الخدري فقال : يا ابن عباس ما هذه الفتيا التي تفتي بها الناس في بيع الذهب والفضة ، تأمرهم أن يشتروه بنقصان أو زيادة يدا بيد ؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما : ما أنا بأقدمكم صحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا زيد بن أرقم والبراء بن عازب يقولان سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم رواه الطبراني بإسناد حسن .

                                      وروينا في صحيح مسلم - رحمه الله - أيضا عن أبي نضرة بالنون والضاد المعجمة قال : " سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن الصرف فقال : أيدا بيد ؟ فقلت : نعم قال : لا بأس به ، فأخبرت أبا سعيد فقلت : إني سألت ابن عباس عن الصرف فقال : أيدا بيد ؟ قلت نعم قال : فلا بأس به . قال : أو قال ذلك ؟ إنا سنكتب إليه فلا يفتيكموه . قال : { فوالله لقد جاء بعض فتيان رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر فأنكره ، فقال كأن هذا ليس من تمر أرضنا . قال : كان في تمر أرضنا أو في تمرنا العام بعض الشيء ، فأخذت هذا وزدت بعض الزيادة ، فقال أضعفت أربيت ، لا تقربن هذا ، إذا رابك من تمرك شيء فبعه ثم اشتر الذي تريد من التمر } وقد روي القول بذلك عن ابن عباس من جهة جماعة من أصحابه ، منهم أبو الجوزاء وأبو مجلز وعبد الرحمن بن أبي نعيم وبكر بن عبد الله المزني وزيادتنا ذكر رواياتهم في ذلك إن شاء الله تعالى - في فصل رجوعه عن ذلك . أما عبد الله بن عمر فروينا عن أبي نضرة المتقدم ذكره قال " سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسا ، فإني لقاعد عند أبي سعيد الخدري فسألته عن الصرف فقال : ما زاد فهو ربا ، فأنكرت ذلك لقولهما ، فقال لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم { جاءه صاحب نخلة بصاع [ ص: 28 ] من تمر طيب ، وكان تمر النبي صلى الله عليه وسلم هذا اللون ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أنى لك هذا ؟ قال انطلقت بصاعين فاشتريت بهما هذا الصاع ، فإن سعر هذا في السوق كذا وسعر هذا كذا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلك أربيت ، إذا أردت ذلك فبع تمرك بسلعة ، ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت } . قال أبو سعيد فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا ؟ أم الفضة بالفضة ؟ قال : فأتيت ابن عمر بعد فنهاني ، ولم آت ابن عباس ، قال : فحدثني أبو الصهباء : أنه سأل ابن عباس رضي الله عنهما عنه بمكة فكرهه رواه مسلم بهذا اللفظ ، وهذا لفظ روايتنا فيه ، وفي هذا الحديث ما يدل على أن أبا سعيد رضي الله عنه استعمل القياس في إشارته إلى أن الفضة بالفضة أحق بالربا من التمر بالتمر ، وأن تحريم الربا في الأشياء الستة معلل ، والمراد بالصرف الذي سئل عنه ابن عمر وابن عباس صرف النقد بجنسه مع عدم رعاية التماثل ، كذلك حمله عليه جماعة من العلماء ، وجعلوا ابن عمر ممن خالف ثم رجع وسياق الرواية يرشد إلى ذلك ، وإن كان يحتمل أن يحمل على الصرف الجائز ، ويكون نهيه بعد ذلك تبيينا لمراده بالإطلاق أولا لا رجوعا ، لكن السياق وفهم أبي نضرة عنه يأباه والله تعالى أعلم . ( وأما ) عبد الله بن مسعود فروى الإمام الشافعي رضي الله عنه في كتاب أحكام علي وابن مسعود عن أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عبد الله قال : " لا بأس بالدرهم بالدرهمين " وهذا إسناد صحيح نقلته من نسخة معتبرة من الأم ، قال فيها الشافعي : أخبرنا أبو معاوية ولا مانع من ذلك فإنه عاصره وروى البيهقي ذلك في كتاب المعرفة فقال : عن الشافعي فيما بلغه عن أبي معاوية . وقد روى أيضا من طريق سعيد بن منصور عن أبي معاوية بهذا الإسناد ، فأيا ما كان فهو صحيح عن ابن مسعود ، ولفظ ابن مسعود في رواية سعيد بن منصور " لا ربا فيما كان يدا بيد " ورواه البيهقي في كتابيه السنن والآثار ، ومعرفة السنن مع روايته للفظ المتقدم بلفظ آخر ليس بصريح ، سأذكره إن شاء الله - تعالى - في فصل الرجوع عن ذلك ولا حاجة إلى ذكره هنا للاستغناء بما هو أصرح منه ، والله أعلم .

                                      [ ص: 29 ] وأما معاوية فلم يحقق ذلك عنه ، فإنه روي عنه شيء محتمل لذلك ولغيره ، وجرت له في ذلك قصة مع عبادة بن الصامت رضي الله عنهما مشهورة ، وروي عن أبي الدرداء رضي الله عنه ولعلها جرت معهما مرتين . أما قصة أبي الدرداء فروى مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار " أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها ، فقال له أبو الدرداء : { سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل } ، فقال له معاوية : ما أرى بهذا بأسا ، فقال أبو الدرداء : من يعذرني من معاوية ؟ أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرني عن رأيه ، لا أساكنك بأرض أنت بها ، ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فذكر ذلك له ، فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية أن لا يبيع ذلك إلا مثلا بمثل وزنا بوزن " . هذا لفظ الموطأ ورواه النسائي إلى آخر لفظ النبي صلى الله عليه وسلم مثلا بمثل من طريق مالك ، والسقاية الإناء يسقى به ، والسقاية موضع السقي . قاله في المحكم .

                                      وروى مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه قصة عبادة مع معاوية عن أبي الأشعث ، واللفظ لمسلم ، وهذا لفظ روايتنا في صحيحه قال : " غزونا غزاة وعلى الناس معاوية فغنمنا غنائم كثيرة ، فكان فيما غنمنا آنية من فضة ، فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس ، فتصارع الناس في ذلك ، فبلغ عبادة بن الصامت فقام فقال : { إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى } ، فرد للناس ما أخذوا ، فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا فقال : ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث ، قد كنا نشهده ونصحبه ، فلم نسمعها منه ، فقام عبادة بن الصامت رضي الله عنه فأعاد القصة وقال : لنحدثن بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كره معاوية ، أو قال : وإن رغم ، ما أبالي ألا أصحبه في جنده ليلة سوداء وفي رواية أبي داود والنسائي في هذا الحديث بأسانيد صحيحة { الذهب بالذهب تبرها وعينها وزنا بوزن والفضة بالفضة تبرها وعينها } وفيه عندهما { فمن زاد أو ازداد فقد أربى وفي آخره عندهما [ ص: 30 ] ولا بأس ببيع البر بالشعير ، والشعير أكثرهما يدا بيد ، وأما النسيئة فلا } ولفظ ابن ماجه { وأمرنا أن نبيع البر بالشعير والشعير بالبر يدا بيد كيف شئنا } . وهذا المنقول عن معاوية معناه أنه كان لا يرى الربا في بيع العين بالتبر ولا بالمصوغ وكان يخير في ذلك التفاضل ، ويذهب إلى أن الربا لا يكون في التفاضل إلا في التبر بالتبر ، وفي المصوغ بالمصوغ ، وفي العين بالعين ، كذلك نقل عن ابن عبد البر ، فليس موافقا ابن عباس مطلقا ، وإن كان الذي ذهب إليه من الشذوذ الذي لا يعول عليه ، وسيأتي الكلام عليه قريبا إن شاء الله تعالى .

                                      ( وأما أسامة ) فلا أعلم عنه في ذلك شيئا إلا روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم : " { إنما الربا في النسيئة } " ولا يكفي ذلك في نسبة هذا القول إليه فإنه لا يلزم من الرواية القول بمقتضى ظاهرها لجواز أن يكون معناها عنده على خلاف ذلك أو يكون عنده معارض راجح ، وإنما ذكرته لأن جماعة من أصحابنا وغيرهم كالماوردي من الشافعية وأبي محمد المقدسي صاحب المغني من الحنابلة ، نقلوه عنه وعن البراء بن عازب وزيد بن أرقم وعبد الله بن الزبير ووافقهم الشيخ أبو حامد الإسفراييني على هذا النقل فيما عدا البراء ، ووافقهم الخطابي في أسامة ، فإن كان عندهم مسند غير ذلك فالله أعلم . ( أما البراء وزيد بن أرقم ) فكذلك لا أعلم النقل عنهما صريحا في ذلك إلا ما روينا عن أبي المنهال سيار بن سلامة " باع شريك لي بالكوفة دراهم بدراهم بينهما فضل ، فقلت : ما أرى هذا يصلح ، فقال لقد بعتها في السوق فما عاب علي ذلك أحد فأتيت البراء بن عازب فسألته فقال : { قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وتجارتنا هكذا ، فقال : ما كان يدا بيد فلا بأس وما كان نسيئا فلا خير فيه } وأت زيد بن أرقم فإنه كان أعظم تجارة مني . فأتيته فذكرت ذلك له فقال : صدق البراء " إسناده صحيح ولكن له علة ، وقيل : إنه منسوخ ، وسأبسط الكلام عليه إن شاء الله تعالى في ذكر دليل ابن عباس ومن وافقه والجواب عنه . ( وأما عبد الله بن الزبير ) فلم أقف على إسناده إليه بذلك . وإنما [ ص: 31 ] الشيخ أبو حامد والماوردي وأبو محمد المقدسي الحنبلي حكوه عنه والله أعلم . فهذا ما بلغني عن الصحابة رضي الله عنهم ممن نسب إليه القول بذلك . وأما التابعون فقال الشافعي - رحمه الله - في كتاب اختلاف الحديث " كان ابن عباس لا يرى في دينار بدينارين ولا في درهم بدرهمين يدا بيد بأسا ويراه في النسيئة " وكذلك عامة أصحابه وكان يروي مثل قول ابن عباس عن سعيد وعروة بن الزبير رأيا منهما إلا أنه يحفظ عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الشافعي - رحمه الله - : وهذا قول المكيين . هذا كلام الشافعي بحروفه وجاء عن جرير بن حازم قال " سألت عطاء بن أبي رباح عن الصرف فقال : يا بني إن وجدت مائة درهم نقدا فخذه " وقال ابن عبد البر : إن أهل مكة كانوا عليه قديما وحديثا ، يجرون التفاضل في ذلك إذا كان يدا بيد ، أخذوا ذلك عن ابن عباس رحمه الله .

                                      ( الفصل : الثاني ) فيما نقل من رجوع من قال بذلك من الصدر الأول ( أما ) ابن عباس فقد اختلف في رجوعه ، ذكرنا من قال إنه رجع عنه . قد تقدم قول أبي الصهباء الثابت في صحيح مسلم أنه سأله عنه فكرهه ، وتقدم أيضا مناظرة أبي سعيد وأبي أسيد له في قوله بإباحته . وعن حيان بالحاء المهملة والياء ابن عبيد الله بالتصغير العدوي قال : " سألت أبا مجلز عن الصرف فقال : كان ابن عباس لا يرى به بأسا زمانا من عمره ما كان منه عينا يعني يدا بيد . وكان يقول : إنما الربا في النسيئة ، فلقيه أبو سعيد الخدري فقال له : يا ابن عباس ألا تتقي الله ؟ إلى متى تؤكل الناس الربا ؟ أما بلغك { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم وهو عند زوجته أم سلمة : إني لأشتهي تمر عجوة فبعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فجاءت بدل صاعين صاعا من تمر عجوة فقامت فقدمته إلى رسول الله فلما رآه أعجبه فتناول تمرة ثم أمسك فقال : من أين لكم هذا ؟ فقالت أم سلمة بعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فأتى بدل صاعين هذا الصاع الواحد . وها هو كل فألقى التمر بين يديه وقال : ردوه لا حاجة لي فيه التمر بالتمر ، والحنطة بالحنطة . [ ص: 32 ] والشعير بالشعير ، والذهب بالذهب ، والفضة بالفضة يدا بيد عينا بعين ، مثلا بمثل ، فمن زاد فهو ربا ، } ثم قال : كذلك ما يكال أو يوزن أيضا فقال ابن عباس : جزاك الله يا أبا سعيد الجنة فإنك ذكرتني أمرا كنت نسيته أستغفر الله وأتوب إليه فكان ينهى عنه بعد ذلك أشد النهي " رواه الحاكم في المستدرك وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه بهذه السياقة ، وفي حكمه عليه بالصحة نظر ، فإن حيان بن عبيد الله المذكور قال ابن عدي : عامة ما يرويه إفرادات يتفرد فيها وذكر ابن عدي في ترجمته حديثه في الصرف هذا بسياقه ، ثم قال : وهذا الحديث من حديث أبي مجلز عن ابن عباس تفرد به حيان ، قال البيهقي وحيان تكلموا فيه . واعلم أن هذا الحديث ينبغي الاعتناء بأمره وتبين صحته من سقمه لأمر غير ما نحن فيه ، وهو قوله وكذلك ما يكال ويوزن ، وقد تكلم فيه بنوعين من الكلام ( أحدهما ) تضعيف الحديث جملة وإليه أشار البيهقي ، وممن ذهب إلى ذلك ابن حزم أعله بشيء أنبه عليه لئلا يغتر به وهو أنه أعله بثلاثة أشياء ( أحدها ) أنه منقطع من أبي سعيد لا من ابن عباس ( والثاني ) لذكره أن ابن عباس رجع واعتقاد ابن حزم أن ذلك باطل ، لمخالفة سعيد بن جبير ( والثالث ) أن حيان بن عبيد الله مجهول . فأما قوله : إنه منقطع فغير مقبول ، لأن أبا مجلز أدرك ابن عباس وسمع منه وأدرك أبا سعيد ، ومتى ثبت ذلك لا تسمع دعوى عدم السماع إلا بثبت ، وأما مخالفة سعيد بن جبير فسنتكلم عليها في هذا الفصل إن شاء الله تعالى . وأما قوله : إن حيان بن عبيد الله مجهول ، فإن أراد مجهول العين فليس بصحيح بل هو رجل مشهور ، روى عنه غير واحد ، روى عنه حديث الصرف هذامحمد بن عبادة ، ومن جهته أخرجه الحاكم ، وذكره ابن حزم ، وإبراهيم بن الحجاج الشامي ومن جهته رواه ابن عدي ويونس بن محمد ومن جهته رواه البيهقي وهو حيان بن عبيد الله بن حيان بن بشر بن عدي . بصري سمع أبا مجلز ولاحق ابن حميد والضحاك ، وعن أبيه . وروي عن عطاء وابن بريدة ، روى عنه موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم وأبو داود وعبيد الله بن موسى ، عقد له البخاري وابن أبي حاتم ترجمة فذكر كل [ ص: 33 ] منهما بعض ما ذكرته وله ترجمة في كتاب ابن عدي أيضا كما أشرت إليه فزال عنه جهالة العين . وإن أراد جهالة الحال ، فهو قد رواه من طريق إسحاق بن راهويه ، فقال في إسناده : أخبرنا روح قال " حدثنا حيان بن عبيد الله وكان رجل صدق " فإن كانت هذه الشهادة له بالصدق من روح بن عبادة فروح محدث نشأ في الحديث عارف به مصنف فيه متفق على الاحتجاج به ، بصري بلدي للمشهود له ، فتقبل شهادته له ، وإن كان هذا القول من إسحاق بن راهويه ، فناهيك به ومن يثني عليه إسحاق . وقد ذكر ابن أبي حاتم حيان بن عبيد الله هذا ، وذكر جماعة من المشاهير ممن روى عنه وممن روى عنهم . وقال : إنه سأل أباه عنه فقال : صدوق .



                                      ( النوع الثاني ) من الكلام يتعلق بخصوص قوله : وكذلك ما يكال أو يوزن وإن سلم صحة أصل الحديث ، والأولى أن أؤخر ذلك إلى محله إن شاء الله تعالى ، فإنه قد طال الكلام في ذلك هاهنا . وعن سليمان بن علي الربعي عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي قال : " سمعته يأمر بالصرف يعني ابن عباس ويحدث ذلك عنه ، ثم بلغني أنه رجع عن ذلك ، فلقيته بمكة فقلت : إنه بلغني أنك رجعت . قال : نعم إنما كان ذلك رأيا مني " وهذا أبو سعيد حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنه نهى عن الصرف " رويناه في سنن ابن ماجه ومسند الإمام أحمد بإسناد رجاله على شرط الصحيحين إلى سليمان بن علي ، وسليمان بن علي روى له مسلم . وقال ابن حزم : إنه مجهول لا يدرى من هو ؟ وهو غير مقبول منه لما تبين . وعن أبي الجوزاء قال : " كنت أخدم ابن عباس رضي الله عنهما تسع سنين إذ جاءه رجل فسأله عن درهم بدرهمين ، فصاح ابن عباس وقال : إن هذا يأمرني أن أطعمه الربا ، فقال ناس حوله : إن كنا لنعمل بفتياك ، فقال ابن عباس : قد كنت أفتي بذلك حتى حدثني أبو سعيد وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه ، فإني أنهاكم عنه رواه البيهقي في السنن الكبير بإسناد فيه أبو المبارك وهو مجهول . وروينا عن عبد الرحمن بن أبي نعم بضم النون وإسكان العين أن أبا سعيد الخدري لقي ابن عباس فشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " { الذهب [ ص: 34 ] بالذهب والفضة بالفضة مثلا بمثل . فمن زاد فقد أربى } " فقال ابن عباس : ( أتوب إلى الله مما كنت أفتي به ، ثم رجع ) رواه الطبراني بإسناد صحيح ، وعبد الرحمن بن أبي نعم تابعي ثقة متفق عليه ، معروف بالرواية عن أبي سعيد وابن عمر وغيرهما من الصحابة .

                                      وعن أبي الجوزاء قال " سألت ابن عباس عن الصرف عن الدرهم بالدرهمين يدا بيد فقال : لا أدري ما كان يدا بيد بأسا ، ثم قدمت مكة من العام المقبل وقد نهي عنه رواه الطبراني بإسناد حسن . وعن أبي الشعثاء قال " سمعت ابن عباس يقول : اللهم إني أتوب إليك من الصرف ، إنما هذا من رأيي . وهذا أبو سعيد الخدري يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه الطبراني ورجاله ثقات مشهورون مصرحون بالتحديث فيه من أولهم إلى آخرهم . وعن عطية وهو العوفي - بإسكان الواو وبالفاء - قال أبو سعيد لابن عباس : تب إلى الله تعالى فقال أستغفر الله وأتوب إليه . قال : ألم تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الذهب بالذهب والفضة بالفضة وقال إني أخاف عليكم الربا ؟ قال فضيل بن مرزوق : قلت لعطية ما الربا ؟ قال الزيادة والفضل بينهما رواه الطبراني بسند صحيح إلى عطية وعطية من رجال السنن ، قال يحيى بن معين ( صالح ) وضعفه غيره ، فالإسناد بسببه ليس بالقوي . وعن بكر بن عبد الله المزني " أن ابن عباس جاء من المدينة إلى مكة وجئت معه ، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال : يا أيها الناس إنه لا بأس بالصرف ما كان منه يدا بيد إنما الربا في النسيئة . فطارت كلمته في أهل المشرق والمغرب ، حتى إذا انقضى الموسم دخل عليه أبو سعيد الخدري وقال له : يا ابن عباس أكلت الربا وأطعمته ، قال : أوفعلت ؟ قال : نعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل تبره وعينه ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى ، والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى } . حتى إذا كان العام المقبل جاء ابن عباس وجئت معه ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ( يا أيها الناس إني تكلمت عام أول بكلمة من رأيي وإني أستغفر الله تعالى منه وأتوب إليه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا [ ص: 35 ] بمثل تبره وعينه ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى } ) وأعاد عليهم هذه الأنواع الستة فرواه الطبراني بسند فيه مجهول ، وإنما ذكرناه متابعة لما تقدم . وهكذا وقع في روايتنا ، فمن زاد واستزاد بالواو لا بأو والله أعلم . وروى أبو جابر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي في كتاب المعاني والآثار بإسناد حسن إلى أبي سعيد قال : " قلت لابن عباس : أرأيت الذي يقول : الدينار بالدينار ؟ وذكر الحديث ثم قال : قال أبو سعيد : ونزع عنها ابن عباس " وروى الطحاوي أيضا عن نصر بن مرزوق بإسناد لا بأس به عن أبي الصهباء " أن ابن عباس نزل عن الصرف " وهذه أصرح من رواية مسلم وجمعه لهما . وروى الطحاوي عن أبي أمية بإسناد حسن إلى عبد الله بن حسين أن رجلا من أهل العراق قال لعبد الله بن عمر : " إن ابن عباس قال وهو علينا أمير : من أعطى بالدرهم مائة درهم فليأخذها وذكر حديثا إلى أن قال : فقيل لابن عباس ما قال ابن عمر ، قال : فاستغفر ربه وقال : إنما هو رأي مني . وعن أبي هاشم الواسطي واسمه يحيى بن دينار عن زياد قال " كنت مع ابن عباس بالطائف ، فرجع عن الصرف قبل أن يموت بسبعين يوما ذكره ابن عبد البر في الاستذكار ، وذكر أيضا عن أبي حرة قال " سأل رجل ابن سيرين عن شيء فقال : لا علم لي به ، فقال الرجل أن يكون فيه برأيك ، فقال : إني أكره أن أقول فيه برأي ثم يبدو إلي غيره فأطلبك فلا أجدك ، إن ابن عباس قد رأى في الصرف رأيا ثم رجع وذكر أيضا عن ابن سيرين [ ص: 36 ] عن الهذيل - بالذال المعجمة - ابن أخت محمد بن سيرين قال " سألت ابن عباس عن الصرف فرجع عنه ، فقلت : إن الناس يقولون ، فقال : الناس يقولون ما شاءوا فهذا ما بلغني مما يدل على رجوعه عن ذلك ، فإذا تأملت الروايات المذكورة وجدت أصحها إسنادا قول أبي الصهباء الذي رواه مسلم أنه سأل ابن عباس عنه فكرهه ، لكن لفظ الكراهة ليس بصريح فجاز أن يكون كرهه لما وقع فيه من المناظرة الكبيرة شبهة تقتضي التوقف عنه أو التورع ، فإن ثبت عدم رجوع ابن عباس تعين حمل هذا اللفظ على ذلك وإلا فهو ظاهر في الرجوع . وقد روي عن طاوس عن ابن عباس ما يدل على التوقف إلا أني قدمت من رواية الطحاوي عن أبي الصهباء ما ينفي هذا الاحتمال ويبين أنه نزل عن الصرف صريحا ، وإسناده جيد كما تقدم ، والحديث الذي أخرجه الحاكم في المستدرك صريح ، لكن سنده تقدم الكلام عليه ، ولا يقصر عن رتبة الحسن ، ويكفي في الاستدلال على ذلك أنه لم يعارضه ما هو أقوى منه . وحديث ابن ماجه الذي قدمته وبينت أنه على شرط مسلم صريح في الرجوع أيضا ، وكذلك رواية ابن أبي نعم المتقدمة عن الطبراني بإسناد صحيح ، فهذه عدة روايات صحيحة وحسنة من جهة خلق من أصحاب ابن عباس تدل على رجوعه ، وقد روي في رجوعه أيضا غير ذلك وفيما ذكرته غنية إن شاء الله تعالى . ذكر من قال إنه لم يرجع عنه روى ابن حزم أن الإمام أحمد قال : حدثنا هاشم قال : قال أخبرنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال " ما كان الربا قط في ها وها وحلف سعيد بن جبير بالله ما رجع عنه حتى مات " وهذا إسناد متفق على صحته ، لكنها شهادة على نفي ، وأصرح ما ذكره ابن عبد البر عن ابن عيينة عن فرات القزاز قال " دخلنا على سعيد بن جبير نعوده فقال له عبد الملك بن مبشر الزراد كان ابن عباس نزل عن الصرف ، فقال سعيد : عهدي به [ ص: 37 ] قبل أن يموت بستة وثلاثين يوما ، وهو يقوله وما رجع عنه " ذكره هكذا بغير إسناد إلى ابن عيينة ، قال ابن عبد البر : رجع ابن عباس أو لم يرجع في السنة كفاية عن قول كل واحد ، ومن خالفها رد إليها قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ردوا الجهالات إلى السنة .

                                      ( وأما ابن مسعود ) فيدل على رجوعه ما رواه البيهقي في كتابيه معرفة السنن والآثار مختصرا ، والسنن الكبير مطولا بإسناد كله ثقات مشهورون عن أبي عبد الله بن مسعود " أن رجلا من بني سمح بن فزارة سأله عن رجل تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته ، فطلق امرأته ، لتزوج أمها ؟ قال : لا بأس ، فتزوجها الرجل وكان عبد الله على بيت المال ، فكان يبيع نفاية بيت المال ، يعطي الكثير ويأخذ القليل ، حتى قدم المدينة فسأل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا : لا يحل لهذا الرجل هذه المرأة ، ولا تصلح الفضة إلا وزنا بوزن ، فلما قدم عبد الله انطلق إلى الرجل فلم يجده ، ووجد قومه فقال : إن الذي أفتيت به صاحبكم لا يحل ، فقالوا إنها قد نثرت له بطنها قال : وإن كان ، وأتى الصيارفة فقال : يا معشر الصيارفة إن الذي كنت أبايعكم لا يحل " لا تحل " الفضة إلا وزنا بوزن . النفاية بنون مضمومة وفاء وبعد الألف ياء مثناة من تحت ما نفيته من الشيء لرداءته قاله الجوهري وهذه الرواية صريحة في رجوعه وليست صريحة [ ص: 38 ] في موافقة ابن عباس لجواز أن يكون ذلك في خصوص النفاية لرداءتها وأن ذلك ليس بصحيح أيضا ، لكن رواية أبي معاوية المتقدمة في الفصل الأول صريحة في بيع الدرهم بالدرهمين ، فانتظم منها ومن هذه قوله أولا ورجوعه ثانيا والحمد لله . وأما ابن عمر فقد تقدم رجوعه في الرواية التي دلت على قوله ، وأن ذلك في صحيح مسلم ، واشتهر عنه بعد ذلك من طرق كثيرة قوله بالتحريم ومبالغته في ذلك روايات صحيحة صريحة ، ولم يكن قوله الأول قد اشتهر عنه ولعله لم يستقر رأيه عليه زمانا ، بل رجع عنه قريبا والله تعالى أعلم . وأما أسامة وزيد بن أرقم والبراء بن عازب وعبد الله بن الزبير فقد تقدم التوقف في صحة ذلك عنهم . وأما معاوية فقد تقدم أنه غير قائل بقول ابن عباس مع شذوذ ما قال به أيضا والظن به لما كتب إليه عمر رضي الله عنه أنه يرجع عن ذلك . وأما التابعون فلم ينقل في رجوعهم شيء فيما علمت والله تعالى أعلم غير أني أقول : إن الظن بكل من سمع من الصحابة ، ومنهم هذه الأحاديث الصريحة الصحيحة في تحريم ربا الفضل ، أن يرجع إليها والله تعالى أعلم .



                                      ( الفصل الثالث : ) في بيان انقراض الخلاف في ذلك ودعوى الإجماع فيه . قال ابن المنذر : أجمع عوام الأمصار مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة وسفيان الثوري ومن وافقه من أهل العراق ، والأوزاعي ومن قال بقوله من أهل الشام والليث بن سعد ومن وافقه من أهل مصر ، والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور والنعمان ويعقوب ومحمد بن علي أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب ولا فضة بفضة ولا بر ببر ولا شعير بشعير ، ولا تمر بتمر ولا ملح بملح متفاضلا يدا بيد ولا نسيئة ، وأن من فعل ذلك فقد أربى والبيع مفسوخ . قال : وقد روينا هذا القول عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعة يكثر عددهم من التابعين .

                                      [ ص: 39 ] قلت ) وممن قال بذلك من الصحابة أربعة عشر ، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وطلحة والزبير ، روى مجاهد عنهم الأربعة عشر أنهم قالوا : " الذهب بالذهب والفضة بالفضة ، وأربوا الفضل " وروى ذلك ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن فضيل عن ليث وهو ابن أبي سليم عن مجاهد وهؤلاء السبعة من العشرة المشهود لهم بالجنة وممن صح ذلك عنه أيضا غير هؤلاء السبعة عبد الله بن عمر وأبو الدرداء ، وروي عن فضالة بن عبيد ، وقد تقدم كلام أبي سعيد وأبي أسيد وعبادة وقد رويت أحاديث تحريم ربا الفضل من جهة غيرهم من الصحابة ، والظاهر أنهم قائلون بها لعدم قبولها للتأويل والله أعلم . وقال الترمذي بعد ذكره حديث أبي سعيد : والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم إلا ما روي عن ابن عباس ، وكذلك روي ، عن بعض أصحابه شيء من هذا ، وقد روي عن ابن عباس أنه رجع عن قوله ، والقول الأول أصح ، والعمل على هذا عند أهل العلم ، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك ، وروي عن ابن المبارك أنه قال : ليس في الصرف اختلاف : هذا مختصر كلام الترمذي . وقال ابن عبد البر : لا أعلم خلافا بين أئمة الأمصار بالحجاز والعراق وسائر الآفاق في أن الدينار لا يجوز بيعه بالدينارين ولا بأكثر منه وزنا ولا الدرهم بالدرهمين ، ولا بشيء من الزيادة عليه ، إلا ما كان عليه أهل مكة قديما وحديثا من إجازتهم التفاضل على ذلك إذا كان يدا بيد ، أخذوا ذلك عن ابن عباس رحمه الله ، قال ابن عبد البر : ولم يتابع ابن عباس على قوله في تأويله حديث أسامة أحد من الصحابة ، ولا من التابعين ، ولا من بعدهم من فقهاء المسلمين إلا طائفة من المكيين أخذوا ذلك عنه وعن أصحابه وهم محجوجون بالسنة الثابتة التي هي الحجة على من خالفها وجهلها وليس أحد بحجة عليها . ونقل النووي في شرح مسلم إجماع المسلمين على ترك العمل بظاهر حديث أسامة قال : وهذا يدل على نسخه ، وقد استدل ابن عبد البر على صحة تأويله بحديث أسامة بإجماع الناس ما عدا ابن عباس عليه والله تعالى أعلم



                                      [ ص: 40 ] الفصل الرابع : ) في بيان الحق في ذلك ، وأن هذه المسألة من المسائل الإجماعية أولا . اعلم أن دعوى الإجماع في ذلك منحصرة في ثلاثة أوجه إما أن يدعي إجماع العصر الأول من غير سبق خلاف استنادا إلى أن ندرة المخالف لا تضر ، وإما أن يسلم سبق الخلاف المعتد به ويدعي رجوع المخالف ، وصيرورة المسألة إجماعية قبل انقراض ذلك العصر ، وإما أن يقال انعقد إجماع متأخر بعد انقراض الماضين المختلفين .

                                      ( أما الأول ) فقد اقتضى كلام بعضهم دعواه ، وزعموا أن الصحابة أنكرت على ابن عباس في ذلك لمخالفته الجماعة ، وقد اختلف علماء الأصول في انعقاد الإجماع مع ندرة المخالف ، فالجماهير من جميع الطوائف على أنه لا ينعقد الإجماع مع مخالفة الواحد ، لأن المجمعين حينئذ ليسوا كل الأمة ، والعصمة في الإجماع إنما تثبت لكل الأمة لا لبعضهم ، ولأن أبا بكر رضي الله عنه خالف الصحابة وحده في قتال مانعي الزكاة وكان الحق معه ورجعوا إليه ، وخالف ابن مسعود وابن عباس في عدة من مسائل الفرائض جميع الصحابة واعتد بخلافهم إلى اليوم . وهذا ظاهر على طريقة من يرى إسناد الإجماع إلى النصوص ، وهي طريقة الشافعي وكثير من أصحابه ، منهم المصنف وأبو حامد الغزالي ومن تبعه وإن كان بين طريقة الشافعي وطريقة الغزالي خلاف يسير ، فإن الشافعي يرى التمسك بالكتاب بآيات من جملتها قوله تعالى { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين } الآية . ويقال إنه قرأ القرآن ثلاث مرات حتى وجد هذه الآية ، وإنه أول من احتج بها فذكرها للرشيد حين طلب منه حجة من القرآن على الإجماع والغزالي - رحمه الله - يقول : التمسك بقوله صلى الله عليه وسلم " { لا تجتمع أمتي على خطأ } " ونظائره لكونه من حيث اللفظ أدل على المقصود ، وكذلك القاضي أبو بكر الباقلاني والكلام في ذلك مستوفى في أصول الفقه ، فعلى طريقة هؤلاء متى خالف واحد لم يصدق على الباقين أنهم كل الأمة حقيقة فلا تتناولهم النصوص الشاهدة بالعصمة .

                                      [ ص: 41 ] وأما على طريقة من يرى إسناد الإجماع إلى جهة قضاء العادة باستحالة إجماع الخلق العظيم على الحكم الواحد إلا لدلالة أو أمارة ، وهو الذي عول عليه إمام الحرمين وابن الحاجب ، فيصعب على هذا المسلك تقرير أن مخالفة الواحد للجم الغفير والخلق العظيم يقدح في إجماعهم ، فإنهم بالنظر إليهم دونه تقضي العادة باستحالة إجماعهم على ما لا دليل عليه ولا أمارة ، فأي فائدة لوفاقه أو خلافه ، وكذلك إذا فرضنا أن مجموع علماء الأمة لا يبلغون مبلغا تقضي العادة باستحالة اجتماعهم على ذلك ينبغي على هذا المسلك أن لا يكون قول كلهم حجة ، ولهذا قال إمام الحرمين : إن إجماع المنحطين عن رتبة التواتر ليس بحجة ، بناء على أن مأخذ الإجماع يستند إلى اطراد العادة ، ومع ذلك وافق على أن مخالفة الواحد والاثنين يقدح في الإجماع . والطريقة الصحيحة هي التي عول عليها الشافعي وأكثر الأصحاب ، وهي التمسك بدليل السمع ، فلذلك خلاف الواحد والاثنين قادح في صحة الإجماع ، وقد اشتهر الخلاف في ذلك عن ابن جرير الطبري قال : إنه يكون إجماعا يجب على ذلك المخالف الرجوع إليه ، ووافقه أبو بكر أحمد بن علي الرازي من الحنفية وأبو الحسين الخياط من المعتزلة ، وابن جرير وابن منداد من المالكية ، ثم اختلف النقل . عن ابن جرير فيما زاد عن الاثنين ، ففي شرح اللمع للمصنف أبي إسحاق أنه إذا خالف أكثر من ذلك لا يكون إجماعا وكذلك قال إمام الحرمين إن ابن جرير طرد مذهبه في الواحد والاثنين وسلم أن خلاف الثلاثة معتبر . وتبعه الغزالي في المنخول ونقل سليم بن أيوب الرازي في تقريبه الأصولي أن ابن جرير لا يعتد بمخالفة الاثنين والثلاثة ، وكثير من المصنفين في الأصول كالقاضي عبد الجبار وأبي نصر بن الصباغ في كتاب عدة العالم وغيرهم ترجموا المسألة بمخالفة الواحد والاثنين وسكتوا عن الزائد . وأما الغزالي في المستصفى فلم يعتد بعدد بل ترجم المسألة بإجماع الأكثر مع مخالفة الأقل ، وتبعه على ذلك جماعة من أصحابنا وغيرهم ، تلخيص الخلاف فيه من متفرق كلامهم سبعة مذاهب ( أحدها ) لا ينعقد الإجماع ، وهو قول الأكثرين ( والثاني ) ينعقد وهو قول ابن جرير والخياط والرازي وأومأ إليه أحمد على ما نقله ابن قدامة [ ص: 42 ] قلت ) ورأيت الشافعي في كتاب جماع العلم من الأم حكاه عمن بحث معه وأمعن في الرد عليه ، وسأذكر شيئا من كلامه قريبا إن شاء الله تعالى .

                                      ( والثالث ) إن بلغ الأقل عدد التواتر لم يعتد بالإجماع وإلا اعتد به قال الغزالي - رحمه الله - : وهذا فاسد .

                                      ( والرابع ) إن سوغت الجماعة الاجتهاد في مذهب المخالف فخلافه معتد به ، كخلاف ابن عباس في مسألة العول ، فإنها محل اجتهاد وإلا فلا ، وكخلاف ابن عباس في مسألة ربا الفضل هذه ، ومسألة المتعة ، ولذلك أنكر الناس الاجتهاد فيهما ، وهذا القول منسوب إلى أبي عبد الله الجرجاني وهو الذي رأيته في كتب الحنفية منسوبا إلى أبي بكر الرازي قال : نقل المرغيناني في شرح الهداية أن شمس الأئمة السرخسي قال : والأصح عندنا ما أشار إليه أبو بكر الرازي - رحمه الله تعالى - أن الواحد إذا خالف الجماعة فإن سوغوا له ذلك في الاجتهاد لا يثبت حكم الإجماع بدون قوله ، وإن لم يسوغوا له الاجتهاد وأنكروا عليه قوله فإنه يثبت حكم الإجماع ( والخامس ) أن قول الأكثر حجة لا إجماع ، واختاره ابن الحاجب رحمه الله . قال الغزالي - رحمه الله - في المستصفى : وهو تحكم لا دليل عليه ، وهو ظاهر ، لأنه إذا لم يكن إجماعا فبماذا يكون حجة ؟ ( والسادس ) أن اتباع الأكثر أولى وإن جاز خلافه ، وضعفه الغزالي وحكى قولا ( سابعا ) بالفرق بين أصول الدين فلا يضر والفروع فيضر ، ولو ثبت الخلاف الذي قدمته عن كلامسليم وغيره عن قائلين أو قائل واحد في وقتين ، صارت الأقوال ( ثمانية ) ولكن أخشى أن يكون أحدها غلطا على المنقول عنه ، أو يكون ذكر ذلك على سبيل التمسك ، ويكون مراده الأكثر كما ذكر غيره ، وبالجملة فيرجح الأكثر على الأقل فيما طريقه الاجتهاد ، ولا معنى له . وكم من مسألة ذهب إليها الشافعي أو مالك أو أبو حنيفة ولم يوافقه عليها إلا الأقلون ، وكم من قليل على الحق ، وكثير على غيره ( { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } ) قال الشافعي - رحمه الله - عمن بحث معه قال : لا أنظر إلى قليل من المتقين ، وأنظر إلى الأكثر .

                                      قال الشافعي ( قلت ) أفتصف القليل الذين لا ينظر إليهم أهم إن كانوا أقل من نصف الناس أو ثلثهم أو ربعهم ؟ قال : لا أستطيع أن أحدثهم ولكن الأكثر [ ص: 43 ] قلت ) العشرة أكثر من تسعة ، قال : هؤلاء متقاربون ( قلت ) فحدهم بما شئت ، قال : ما أقدر على أن أحدهم ( قلنا ) فكأنك أردت أن تجعل هذا القول مطلقا غير محدود ، فإذا وجد من يقول بقول اختلف فيه ، قلت عليه الأكثر وإذا أردت رد قول قلت هؤلاء الأقل ، أفترضى من غيرك مثل هذا الجواب ؟ وطول الشافعي كثيرا في الكلام معه بما لا يحتمله هذا المكان ، ولا ضرورة تدعو إلى نقله وتمسكهم بالأمر باتباع السواد الأعظم ، وأشباه ذلك كله لا دليل فيه ، وقد بين ذلك في أصول الفقه ويلزم هؤلاء أنه إذا اتفق نصف الأمة وانضاف إليهم واحد من النصف الآخر أن يوجبوا على الباقين اتباعهم ، قال القاضي عبد الجبار وهذا معلوم الفساد .

                                      ( وأما ) من اعتبر عددا معينا كما حكي عن ابن جرير ، فعلى ما نقل عنه سليم لا أعلم له وجها يعول عليه في أن خلاف الثلاثة لا يقدح ، إن كان يقول : إن خلاف الأربعة بخلافه ، وبالضرورة نسبة الثلاثة من ثلاثة آلاف كنسبة الأربعة من أربعة آلاف . وعلى ما نقله إمام الحرمين وغيره من أن خلاف الثلاثة يقدح وما دونها لا يقدح فلا أعلم له وجها إلا ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب بالجابية فقال : " { قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامي فيكم فقال : أكرموا أصحابي ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يظهر الكذب ، فيحلف الرجل ولا يستحلف ، ويشهد ولا يستشهد ، فمن سره دخول الجنة فليلزم الجماعة ، فإن الشيطان مع الفذ وهو من الاثنين أبعد } " رواه الشافعي في كتاب الرسالة من حديث ابن سليمان بن يسار عن أبيه عن عمر ، ولم أعرف ابن سليمان هذا ، وهو حديث مشهور في السنن والمسانيد ، رويناه في مسند علي بن حميد من حديث ابن الزبير عن عمر ، ورواه النسائي بإسناد صحيح من حديث جابر بن سمرة عن عمر ، وقال الترمذي : حسن صحيح غريب من هذا الوجه ، وذكره الدارقطني في العلل وذكر فيه اضطرابا لكنه غير قادح وفي مسند الإمام الجليل عبد الله بن سعيد بن المسيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن الشيطان يهم بالواحد ويهم بالاثنين فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم } صحيح إلى سعيد ، [ ص: 44 ] وهو من مرسلاته ، وفي معناهما قوله صلى الله عليه وسلم " { الواحد شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب } " رواه أبو داود والنسائي بلفظ الراكب .

                                      وروي من طريق ابن وهب قال : حدثني أبو فهر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { الأقلون من العلماء الأكثرون } وهذا مرسل باطل بلا شك ولذلك تمسكوا بأن مخالفة الواحد والاثنين شذوذ ، والشذوذ منهي عنه وبإنكار الصحابة على ابن عباس في هذه المسألة أعني ربا الفضل ، وأجاب الأصحاب وغيرهم عن الأول أن المراد به الشاذ أو الخارج عن الإمام بمخالفة الأكثر على وجه يثير الفتنة ، وعن الحديث الثاني بأنه محمول على السفر وفي ذلك ورد ، فإن الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عمرو بن العاص { أن رجلا قدم من سفر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صحبك ؟ قال : ما صحبت أحدا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب } " هكذا رواه ابن وهب في مسنده ، وهكذا لفظ أبي داود والنسائي ، فإن الحديث فيهما بلفظ الراكب لا بلفظ الواحد ، وعن كون ذلك شذوذا بأن الشاذ عبارة عن الخارج من الجماعة بعد الدخول فيها ، وأما الذي لا يدخل أصلا فلا يسمى شاذا وعن الإنكار على ابن عباس بأنهم إنما أنكروا ذلك لمخالفته خبر أبي سعيد لا للإجماع والله أعلم . وأما من فرق بين عدد التواتر وغيره فهو يناسب طريقة من جعل مأخذ الإجماع حكم العادة باستحالة الخطأ على الجمع العظيم ، وهو بعيد ، وأما من فرق بين أن تسوغ الجماعة الاجتهاد في ذلك الحكم أو لا فضعيف ، لأن قول الجماعة غير المخالف إن لم يكن حجة فلا أثر لتسويغهم وعدمه ، وإن كان حجة فهو محل النزاع فليس إنكارهم عليه بأولى من إنكاره عليهم ، نعم هاهنا أمر يجب التنبه له وهو أن الخلاف المعتد به هو الخلاف في مظان [ ص: 45 ] الاجتهاد ، كالمسائل التي لا نص فيها ، أو فيها نص غير صريح ، وبالجملة ما يكون الخلاف فيه له وجه محتمل .

                                      ( وأما ) هذه المسألة فإن النصوص التي فيها صريحة غير قابلة للتأويل بوجه قريب ولا بعيد ، ولا للنسخ لما سيأتي إن شاء الله تعالى ، وهي مع ذلك كالمتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم أعني ما يدل على النهي عن ربا الفضل ، ولا تستبعدون دعوى التواتر فيها ، فمن تتبع الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم حصل له العلم بذلك أو كاد . قال الطحاوي بعد أن ذكر ما رواه من الأحاديث " فثبت " بهذه [ الآثار ] المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عن بيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب متفاضلا وسأعقد فصلا جامعا أشير فيه إلى أطراف الروايات في ذلك وإذا كان في المسألة نصوص قطعية المتن قطعية الدلالة لم يكن مظان للاجتهاد ، بل الحق فيها واحد قطعا ، غاية الأمر أن المجتهد المخالف لم يطلع عليها ، والتواتر قد يحصل في حق شخص ولا يحصل في حق آخر ، فإذا خالف مجتهد لعدم اطلاعه على مثل هذه النصوص يكون معذورا في مخالفته إلى حيث يطلع على النص ، ولا يحل العمل بقوله ذلك ، ولا يقلد فيه ، وينقض الحكم به ، ولو لم تصل إلى حد التواتر مع صراحة دلالتها كان الحكم كذلك والله أعلم .

                                      ( فإن قلت ) ليس القول بذلك خاليا عن وجه ، وغاية الأمر أن الأحاديث المقتضية لتحريم ربا الفضل صحيحة صريحة ، لكن الأحاديث المقتضية لجوازه أيضا كذلك كما سيأتي وقد مضى شيء منه ، والترجيح معنا ، فإن القرآن وقوله تعالى { وذروا ما بقي من الربا } يبين أن الذي نهى عنه ما كان دينا ، وكذلك كانت العرب تعقد في لغتها ، وقد دل النبي صلى الله عليه وسلم على أن النقد ليس الربا المتعارف عند أهل اللسان بقوله " { ولا تبيعوا الذهب بالذهب } " الحديث فسماه بيعا ، وقد قال تعالى { ذلك بأنهم قالوا إنما [ ص: 46 ] البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا } فذم من قال : إنما البيع مثل الربا ، ففي تسمية النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة في الأصناف بيعا دليل على أن الربا في النساء لا في غيره .

                                      ( قلت ) أما التعارض فسنبين إن شاء الله تعالى الجواب عنه ، ووجه الجمع بينهما بأوضح شيء يكون ، وكون الآية الكريمة وردت في تحريم نوع من الربا إن سلم اقتصارها عليه لا يدل على نفي غيره ، والتعلق بكون ذلك يسمى بيعا لا ربا تعلق بالألفاظ ، مع تصريح الأحاديث بالنهي والتحريم وإثبات الربا فيه ، ومثل هذه التعلقات الضعيفة يجل ابن عباس ومن وافقه من الأئمة المجتهدين عن التعلق بها ، ولو لم أرها مذكورة ، ولكن أبا الحسن بن المغلس ذكرها عن القائلين بذلك ، والله سبحانه وتعالى أعلم .



                                      ( القسم الثاني : ) أن يدعي إجماع العصر الأول بعد اختلافهم لما روي من رجوع من قال بذلك منهم ، وممن تعرض لذلك من الأصحاب القاضي أبو الطيب في تعليقه ، والعبدري في الكفاية قالا : " روي عن ابن عباس أنه رجع عن ذلك " فتكون المسألة إجماعا وابن عبد البر في التمهيد قال : لم أعده خلافا لما روي عنه من رجوعه ، وقد قدمت أن من الصحابة من صح النقل عنه بذلك ، فرجع عنه يقينا كابن عمر وابن مسعود ، ومنهم من اختلف عنه في رجوعه كابن عباس ، وبقيتهم كأسامة وزيد بن أرقم والبراء وابن الزبير لم أثبت النقل عنه بذلك ، ولم يرد عنهم رجوع ، فإن كانوا قائلين بذلك ولم يرجعوا فقد تعذر دعوى هذا الوجه إلا ما ثبت [ من ] رجوع ابن عباس ولم يبق فيهم مخالف فقد اختلف الأصوليون في هذه المسألة لذا اختلف علماء العصر ثم اتفقوا ورجع المتمسكون بأحد القولين إلى الآخر وصاروا مطبقين عليه ، هل يكون ذلك إجماعا أو لا ؟ وتلخيص القول في ذلك أنه إما أن يكون قد استقر أو لا ، وإن لم يكن قد استقر كاختلافهم في قتال مانعي الزكاة ، ثم إجماعهم كلهم على رأي أبي بكر ، فهذا يجوز قولا واحدا ، ويكون إجماعا ، وهذا القسم لا خلاف فيه ، وإن كان الخلاف قد استقر وبرد ففيه خلاف مرتب على أنه هل يشترط انقراض العصر الأول أو لا ، إن قلنا العصر شرط وهو ظاهر كلام أحمد بن حنبل [ ص: 47 ] وقول ابن فورك وأحد الوجهين لأصحابنا ونسبه عبد الجبار إلى أصحاب الشافعي وغيرهم ورجحه سليم في التقريب الأصولي ، وأطنب في الانتصار له وذهب إليه [ من ] المالكية أبو تمام البصري ، فعلى هذا يجوز اتفاقهم بعد اختلافهم ، ويكون كونه إجماعا موقوفا أيضا على انقراضهم .

                                      وإن قلنا : إن انقراض العصر الأول ليس بشرط ، وهو قول أكثر أصحابنا على ما نقله ابن الصباغ وغيره ، وأصحاب أبي حنيفة وأصحاب مالك والأشاعرة ومن جملتهم القاضي أبو بكر بن الطيب والمعتزلة ، وأومأ إليه أحمد بن حنبل ، واختاره أبو الخطاب من أصحابه ، وهو الصحيح في شرح اللمع للمصنف - رحمه الله - وهو الذي اختاره الغزالي وأبو عبد الله بن الخطيب وأتباعه وأبو عمرو بن الحاجب قال البندنيجي في مقدمة كتابه الذخيرة : وقد غلط بعض أصحابنا فقال : يعتبر انقراض العصر وليس بشيء ، ومن هؤلاء من يطلق أو يعمم الحكم في الإجماع القولي والسكوتي ، وهو الذي يقتضي كلام المصنف في التبصرة ترجيحه . ومنهم من يفصل ويخص ذلك بالقولي ، وأما السكوتي فيعتبر فيه انقراض العصر ، وهو الذي قاله البندنيجي ، واختيار الأستاذ أبي إسحاق ومقتضى كلام المصنف في اللمع وفصل إمام الحرمين بين أن يكون الإجماع مقطوعا به فلا يعتبر انقراضا ، أو يتفقوا على حكم ويسندوه إلى ظن فلا ينبرم ما لم يطل الزمان . إذا عرف ذلك فإن لم يعتبر انقراض العصر فهل يجوز الإجماع بعد الاختلاف ؟ قيل : إنه ممتنع ، لأنه ينافي ما أجمعوا عليه أولا من تجويز الأخذ بكل واحد من القولين . نسب هذا القول إلى الصيرفي وأحمد بن حنبل وأبي الحسن الأشعري ، ومال إليه الغزالي وداود وإمام الحرمين على امتناعه ، لكن لمدرك آخر ، وهو أن ذلك مستحيل عادة ، والغزالي ومن وافقه يقولون : إنه يستحيل سمعا ، وقيل : يجوز وإذا وقع لا يكون حجة ، وهو بعيد وقيل : يجوز ويكون حجة تحرم مخالفته وهو المختار .

                                      [ ص: 48 ] فتلخص من هذا أن الاتفاق بعد الاختلاف في العصر الواحد حجة ، وإجماع على المختار ، وهو الذي أطلقه طوائف من الأصوليين والفقهاء ، والمنقول عن القاضي أبي بكر أنه لا يكون إجماعا ، والأول هو الحق الذي لا يتجه غيره ، والقول بأنهم بالاختلاف أجمعوا على تجويز الأخذ بكل واحد من القولين ممنوع وهو قول باطل لم يقم عليه دليل والله أعلم . واعلم أن دعوى هذين الإجماعين بعيدة لما قدمته من جهة النقل ، وأيضا فلو سلم أن ابن عباس وجميع الصحابة صح رجوعهم ، فقد لحق زمان ابن عباس جماعة من أصحابه ، ممن وافقه على ذلك ، ولم ينقل عنه رجوع ( والصحيح المختار ) أن قول التابعي الذي نشأ في عصر الصحابة وصار من أهل الاجتهاد قبل إجماعهم لا ينعقد إجماعهم بدونه ، وهذا قول أكثر أصحابنا ، وهو المنسوب إلى الحنفية وأكثر الحنابلة وأكثر المتكلمين . وقال بعض أصحابنا المتكلمين والقاضي من الحنابلة : لا يعتد به ، وأومأ