الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسح على خفيه وصلى الظهر وشك هل صلاها بوضوء أو لا

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن لبس خفيه ، وأحدث ومسح وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم شك هل كان مسحه قبل الظهر أو بعده؟ بنى الأمر في الصلاة أنه صلاها قبل المسح فتلزمه الإعادة لأن الأصل بقاؤها في ذمته وبنى الأمر في المدة أنها من الزوال ليرجع إلى الأصل وهو غسل الرجلين ) .

التالي السابق


( الشرح ) هذه المسألة معدودة في مشكلات المهذب مشهورة بالإشكال ، وإشكالها من وجهين ( أحدهما ) أنه قال : مسح وصلى الظهر فجعله مصليا للظهر وإنه شك هل صلاها بوضوء أم لا ؟ وأوجب إعادتها ، وقد علم من طريقته وطريقة سائر العراقيين والصحيح عند الخراسانيين أن الشك بعد فراغ الصلاة لا يوجب الإعادة ، وقد صرح به المصنف في باب سجود السهو .

( الإشكال الثاني ) أنه قال : ثم شك هل كان مسحه قبل الظهر أو بعدها ؟ فجعل الشك في نفس المسح ووقته وربط به حكم المدة وقد تقرر أن مدة المسح تعتبر من الحدث لا من المسح ، فأجاب صاحب البيان في كتابه [ ص: 520 ] مشكلات المهذب عن الإشكال الأول فقال : ليست هذه المسألة على ظاهرها وأنه تيقن أنه صلى الظهر وشك في الطهارة لها فإن من شك هل صلى بطهارة أم لا لم يلزمه الإعادة كما لو شك هل صلى ثلاثا أم أربعا ؟ قال : بل صورتها أنه تيقن أنه صلى العصر والمغرب والعشاء بطهارة وشك هل كان حدثه قبل الظهر وتوضأ لها وصلاها أم كان حدثه بعدها ولم يصلها فيلزمه أن يصلي الظهر وأن يبني المدة على أنها من الزوال ، هذا كلام صاحب البيان . وقال أبو الحسن الزبيدي بفتح الزاي : صورة المسألة أنه لبس خفيه في الحضر وأحدث في الحضر قبل استواء الشمس مثلا وصلى الظهر في وقتها في الحضر ثم سافر بعد فراغه منها ودخل وقت العصر وهو في السفر فصلى العصر والمغرب والعشاء ثم شك هل كان مسحه بعد الظهر في وقت العصر فله مدة المسافرين وعليه قضاء الظهر . وإن كان مسحه قبل الظهر فله مدة مقيم وليس عليه قضاء الظهر . فنقول له : يلزمك الأخذ بالأشد وهو أنك صليتها بغير مسح فيجب قضاؤها لأن الأصل بقاؤها في ذمتك ، والأصل أيضا عدم المسح فالأصلان متفقان على وجوب قضائها .

وأما المدة فيبني على أنها قبل الظهر ليرجع إلى الأصل وهو غسل الرجل فوقت الحدث عنده قبل الاستواء معلوم متيقن والظهر صلاها في الحضر بيقين هذا كلام الزبيدي . وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح : الجواب عن الإشكال الأول أن ذلك مخرج على قول حكاه الخراسانيون أن حصول مثل هذا الشك بعد الصلاة يوجب إعادتها ، والجواب عن الثاني أن صورة المسألة أن يقترن الحدث والمسح فكأنه قال : لبس ثم أحدث ومسح جميعا ثم قال بعد ذلك : ثم شك هل كان مسحه قبل الظهر أو بعدها ؟ ومعناه هل كان حدثه ومسحه المقترنين فاجتزى بذكر أحدهما اقتصارا ؟ هذا كلام أبي عمرو . فأما ما قاله صاحب البيان فخلاف كلام المصنف وأما ما قاله الزبيدي فمحتمل أن يكون مراد المصنف ، وأما ما قاله أبو عمرو فالجواب الثاني حسن وأما الأول فضعيف أو باطل لوجهين ( أحدهما ) كيف يصح حمل كلام المصنف على [ ص: 521 ] قول غريب ضعيف في طريقة الخراسانيين وهو وسائر العراقيين مصرحون بخلافه ؟ وكذا كثيرون والأكثرون من الخراسانيين .

( والثاني ) أن هذا الحكم الذي التزمه أن الشك في الطهارة بعد فراغ الصلاة لا يوجب إعادتها كالشك في ركعة ليس بمقبول ، بل من شك في الطهارة بعد الفراغ من الصلاة يلزمه إعادة الصلاة ، بخلاف الشك في أركانها كركعة وسجدة فإنه لا يلزمه شيء على المذهب ، والذي ذكره الأصحاب أنه لا يلزمه إنما هو في الشك في أركانها هكذا صرحوا به .

والفرق بين الأركان والطهارة من وجهين : ( أحدهما ) أن الشك في الأركان يكثر فعفي عنه نفيا للحرج بخلاف الشك في الطهارة .

( والثاني ) أن الشك في السجدة وشبهها حصل بعد تيقن انعقاد الصلاة والأصل استمرارها على الصحة بخلاف الشك في الطهارة ، فإنه شك هل دخل في الصلاة أم لا ؟ والأصل عدم الدخول ، فقد صرح الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب في تعليقهما والمحاملي وآخرون في باب المياه وآخرون في آخر صفة الوضوء والقاضي أبو الطيب في شرح فروع ابن الحداد وسائر الأصحاب بمعنى ما قلته فقالوا : إذا توضأ المحدث ثم جدد الوضوء ، ثم صلى صلاة واحدة ثم تيقن أنه نسي مسح رأسه من أحد الوضوءين لزمه إعادة الصلاة ، لجواز أن يكون ترك المسح من الطهارة الأولى ، ولم يقولوا : إنه شك بعد الصلاة ، ولهذا نظائر لا تحصى والله أعلم .

واعلم أن الشيخ أبا حامد الإسفراييني قال في تعليقه في آخر باب الإجازة على الحج والوصية به وهو في آخر كتاب الحج : قال الشافعي رضي الله عنه في الإملاء : ولو اعتمر أو حج فلما فرغ من الطواف شك هل طاف متطهرا أم لا ؟ أحببت أن يعيد الطواف ولا يلزمه ذلك ، قال أبو حامد وهذا صحيح ، وإنما قلنا لا يعيد الطواف لأنه لما فرغ منه حكمنا بصحته في الظاهر ولا يؤثر فيه الشك الطارئ بعد الحكم بصحته في الظاهر بخلاف من شك في أثناء العبادة هل هو متطهر أم لا ؟ فإنها لا يجزيه لأنه لم يحكم له بأدائها في الظاهر ، قال : وهكذا الحكم في الصلاة إذا فرغ منها ثم شك هل صلى بطهارة أم لا ؟ أو هل قرأ فيها أم لا ؟ أو هل ترك منها سجدة أم لا ؟ [ ص: 522 ] لما ذكرناه من أنه قد حكم له بصحتها بعد خروجه منها في الظاهر فلا يؤثر فيها الشك بعدها . قال أبو حامد : وهذه المسألة حسنة . هذا كلام أبي حامد ونقله . وهكذا نقل المسألة في الباب المذكور من كتاب الحج عن الإملاء القاضي أبو الطيب في كتابيه التعليق والمجرد والمحاملي في كتابيه المجموع والتجريد وغيرهم ولم يذكروا فيها خلافا فحصل في المسألة خلاف في أن الشك في الطهارة بعد الفراغ من الصلاة هل يوجب إعادتها أم لا ؟ .

واعلم أن المسألة التي ذكرها المصنف نص عليها الشافعي رضي الله عنه في الأم والأصحاب على غير ما ذكره المصنف فقالوا : إذا شك هل أدى بالمسح ثلاث صلوات أم أربعا ؟ أخذ في وقت المسح بالأكثر وفي أداء الصلاة بالأقل احتياطا للأمرين ، مثاله : لبس خفيه وتيقن أنه أحدث ومسح وصلى العصر والمغرب والعشاء وشك هل تقدم حدثه ومسحه في أول وقت الظهر وصلى به الظهر أم تأخر حدثه ومسحه إلى أول وقت العصر ولم يصل الظهر ؟ فيأخذ في الصلاة باحتمال التأخر وأنه لم يصلها فيجب قضاؤها ; لأن الأصل بقاؤها عليه ويأخذ في المدة باحتمال التقدم فيجعلها من الزوال ; لأن الأصل غسل الرجل فيعمل بالأصل والاحتياط في الطرفين . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث