الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب النهي عن الصلاة بالهاجرة

وحدثني عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم

التالي السابق


29 29 - ( مالك عن أبي الزناد ) عبد الله بن ذكوان القرشي ، مولاهم المدني ، يكنى بأبي عبد الرحمن ، ثقة فقيه من صغار التابعين ، روى عن أنس وابن جعفر ، ولقي ابن عمر وأبا أمامة بن سهل بن حنيف وعن خلق من التابعين ، وهو ممن سمي أمير المؤمنين في الحديث ، وكان يغضب ممن يلقبه بأبي الزناد .

وقال عبد ربه بن سعيد : رأيت أبا الزناد دخل المسجد النبوي ومعه من الأتباع مثل ما مع السلطان ، فمن سائل عن فريضة وعن الحساب وعن الشعر وعن الحديث وعن معضلة .

وقال الليث : رأيت أبا الزناد وخلفه ثلاثمائة تابع من طالب فقه وعلم وشعر وصنوف العلم ، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة ، وقيل بعدها .

( عن الأعرج ) عبد الرحمن بن هرمز ( عن أبي هريرة ) وهذا الإسناد من الأسانيد الموصوفة ، قال البخاري : أصح أسانيد أبي هريرة أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة ) قال في القبس : ليس للإبراد في الشريعة تحديد إلا ما في حديث ابن مسعود : " كان قدر صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصيف ثلاثة أقدام إلى [ ص: 113 ] خمسة أقدام ، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام " أخرجه أبو داود والنسائي قال : وذلك بعد ظل الزوال ، فلعل الإبراد كان ريثما يكون للجدار ظل يأوي إليه المجتاز . انتهى .

والأمر للاستحباب عند الجمهور ، وقيل : أمر إرشاد ، وقيل : للوجوب . حكاه عياض وغيره فنقل الكرماني الإجماع على عدم الوجوب غفلة وخصه بعضهم بالجماعة ، فأما المنفرد فالتعجيل في حقه أفضل وهذا قول أكثر المالكية والشافعي لكن خصه أيضا بالبلد الحار ، وقيد الجماعة بما إذا كانوا ينتابون مسجدا من بعد ، فلو كانوا مجتمعين أو كان المنتابون في كن فالأفضل لهم التعجيل ، والمشهور عن أحمد التسوية من غير تخصيص ولا قيد ، وهو قول إسحاق والكوفيين وابن المنذر ، وذهب بعضهم إلى أن تعجيل الظهر أفضل مطلقا ، وقالوا : معنى أبردوا صلوا في أول الوقت أخذا من برد النهار وهو أوله وهو تأويل بعيد يرده قوله : ( فإن شدة الحر من فيح جهنم ) فإن التعجيل بذلك يدل على أن المطلوب التأخير ، وحديث أبي ذر صريح في ذلك حيث قال : " كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن فقال - صلى الله عليه وسلم - : " أبرد " حتى رأينا فيء التلول " رواه البخاري ومسلم ، والحامل لهم على ذلك حديث خباب : " شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا " رواه مسلم أي لم يزل شكوانا .

وتمسكوا أيضا بالأحاديث الدالة على فضل أول الوقت وبأن الصلاة حينئذ أكثر مشقة فيكون أفضل .

والجواب عن حديث خباب أنه محمول على أنهم طلبوا تأخيرا زائدا عن وقت الإبراد وهو زوال حر الرمضاء وذلك قد يستلزم خروج الوقت فلذلك لم يجبهم أو هو منسوخ بأحاديث الإبراد فإنها متأخرة عنه ، واستدل له الطحاوي بحديث المغيرة : " كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر بالهاجرة ثم قال لنا : " أبردوا بالصلاة " الحديث ، رواه أحمد وابن ماجه برجال ثقات وصححه ابن حبان ، ونقل الخلال عن أحمد أن هذا آخر الأمرين من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وجمع بعضهم بين الحديثين بأن الإبراد رخصة والتعجيل أفضل وهو قول من قال : إنه أمر إرشاد ، وعكسه بعضهم فقال : الإبراد أفضل ، وحديث خباب يدل على الجواز وهو الصارف للأمر عن الوجوب وفيه نظر لأن ظاهره منع التأخير ، وقيل : معنى قول خباب فلم يشكنا لم يحوجنا إلى شكوى بل أذن لنا في الإبراد ، حكي عن ثعلب ويرده أن في الخبر زيادة رواها ابن المنذر بعد قوله فلم يشكنا وقال : " إذا زالت الشمس فصلوا " وأحسن الأجوبة كما قال المازري : الأول .

والجواب عن أحاديث أول الوقت أنها عامة أو مطلقة ، والأمر بالإبراد خاص ولا التفات إلى من قال : التعجيل أكثر مشقة فيكون أفضل لأن الأفضلية لم تنحصر في الشق بل قد يكون الأخف أفضل ، كقصر الصلاة في السفر ذكره الحافظ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث