الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 274 ] قالوا حديثان متدافعان متناقضان .

43 - تكرار الاعتراف بالزنا .

قالوا : رويتم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يرجم ماعزا حتى أقر عنده بالزنا أربع مرات ، كل ذلك يعرض عنه ثم رجمه في الرابعة فأخذ بهذا قوم من فقهائكم وقالوا : لا نرجم حتى يكون إقراره في عدد الشهود عليه ، وبذلك كان يقول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - .

ثم رويتم : أن رجلين تقدما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أحدهما : إن ابني كان عسيفا على هذا ، وأنه زنى بامرأته ، فافتديت منه بمائة شاة وخادم ، ثم إنا سألنا رجالا من أهل العلم فقالوا : على ابني جلد مائة وتغريب عام ، وعلى امرأة هذا الرجم . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ، المائة شاة والخادم رد عليك ، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام ، وعلى امرأة هذا الرجم . فقضى بينهما بذلك ، وقال : اغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها [ ص: 275 ] فاعترفت فرجمها ، ولم يقل أحد إنه قال أربع مرات في مجلس ولا في مجالس . وهذا مخالف لحديث ماعز .

قال أبو محمد : ونحن نقول : إنه ليس هاهنا - بحمد الله تعالى - اختلاف ولا تناقض لأن إعراض النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ماعز أربع مرات إنما كان كراهية منه ، لإقراره على نفسه بالزنا وهتكه ستر الله تعالى عليه ، لا لأنه أراد أن يقر عنده أربع مرات ، وأراد أيضا أن يستبرئ أمره ويعلم أصحيح هو أم به جنة ؟ فوافق ما أراد من استبرائه أربع مرات ، ولو وافق ذلك مرتين أو ثلاثا أو خمسا أو ستا ما كان فيه بينة تلزم .

ويدل على كراهته لإقرار الزاني عنده بالزنا رواية مالك عن زيد بن أسلم في رجل اعترف بالزنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر به فجلد ثم قال : يا أيها الناس ، قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله تعالى ، فمن أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله - عز وجل - فإنه من أبدى لنا صفحته ، نقم عليه كتاب الله - عز وجل - .

ويدل على أن الاعتراف قد يكون أكثر من الأربع وأقل ، إذا زالت الشبهة في أمر المقر ، حديث يحيى بن سعيد عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتته امرأة من جهينة وهي حامل من زنا ، فقالت : يا رسول الله ، إني أصبت حدا فأقمه علي ، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - وليها فأمره أن يحسن إليها فإذا وضعت حملها [ ص: 276 ] أتاه بها ، فأتاه بها وقد وضعت فأمرها أن ترضع ولدها فإذا فطمته أتته ، ففعلت فأتاه بها . فأمر بها فشق عليها ثيابها ثم رجمت ، ثم صلى عليها ولم يذكر في هذا الحديث أنها اعترفت أربع مرات .

وهذا شاهد للحديث الذي ذكر فيه أنه قال : اغد يا أنيس على امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها ومن الدليل أيضا : أن ماعز بن مالك لما رجم ، جزع ففر ، فرجموه وأعلموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جزعه ، فقال : هلا رددتموه حتى أنظر في أمره ولو كان إقراره أربع مرات هو الذي ألزمه الحد لما كان لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - " هلا رددتموه " معنى ، لأنه قد أمضى فيه حكم الله تعالى ، ولا يجوز بعد إقراره أربع مرات أن يقبل منه رجوعه إن رجع . وإذا كان الإقرار بغير توقيت ، جاز له أن يرجع متى شاء ، وأن يقبل ذلك منه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث