الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل بيان فريضة صلاة الجنازة وكيفية فرضيتها

جزء التالي صفحة
السابق

ولا يصلى على ميت إلا مرة واحدة لا جماعة ولا وحدانا عندنا ، إلا أن يكون الذين صلوا عليها أجانب بغير أمر الأولياء ، ثم حضر الولي فحينئذ له أن يعيدها ، وقال الشافعي : " يجوز لمن لم يصل أن يصلي " واحتج بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم { صلى على النجاشي } ولا شك أنه كان صلى عليه وروي { أنه صلى الله عليه وسلم مر بقبر جديد فسأل عنه فقيل : قبر فلانة فقال : هلا آذنتموني بالصلاة عليها فقيل : إنها دفنت ليلا فخشينا عليك هوام الأرض فقال صلى الله عليه وسلم : إذا مات إنسان فآذنوني فإن صلاتي عليه رحمة ، وقام وجعل القبر بينه وبين القبلة وصلى عليه } .

وكذا الصحابة رضي الله عنهم صلوا على النبي صلى الله عليه وسلم جماعة بعد جماعة ; ولأنها دعاء ، ولا بأس بتكرار الدعاء ; ولأن حق الميت وإن قضي فلكل مسلم في الصلاة حق ; ولأنه يثاب بذلك ، وعسى أن يغفر له ببركة هذا الميت كرامة له ، ولم يقض هذا الحق في حق كل شخص فكان له أن يقضي حقه .

( ولنا ) ما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة فلما فرغ جاء عمر ومعه قوم فأراد أن يصلي ثانيا ، فقال له النبي : صلى الله عليه وسلم الصلاة على الجنازة لا تعاد ، ولكن ادع للميت واستغفر له } وهذا نص في الباب وروي أن ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم فاتتهما صلاة على جنازة فلما حضرا ما زادا على الاستغفار له وروي عن عبد الله بن سلام أنه فاتته الصلاة على جنازة عمر رضي الله عنه فلما حضر قال : إن سبقتموني بالصلاة عليه فلا تسبقوني بالدعاء له ، والدليل عليه أن الأمة توارثت ترك الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الخلفاء الراشدين والصحابة رضي الله عنهم .

ولو جاز لما ترك مسلم الصلاة عليهم خصوصا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ; لأنه في قبره كما وضع فإن لحوم الأنبياء حرام على الأرض ، به ورد الأثر ، وتركهم ذلك إجماعا منهم دليل على عدم جواز التكرار ; ولأن الفرض قد سقط بالفعل مرة واحدة ; لكونها فرض كفاية ، ولهذا إن من لم يصل لو ترك الصلاة ثانيا لا يأثم وإذا سقط الفرض ، فلو صلى ثانيا كان نفلا .

والتنفل بصلاة الجنازة غير مشروع بدليل أن من صلى مرة لا يصلي ثانيا ، وهذا بخلاف ما إذا تقدم غير الولي فصلى إن للولي أن يصلي عليه ; لأنه إذا لم يجز الأول تبين أن الأول لم يقع فرضا ; لأن حق التقدم كان له ، فإذا تقدم غيره بغير إذنه كان له أن يستوفي حقه في التقدم فيقع الأول فرضا ، فهو الفرق ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أعاد ; لأن ولاية الصلاة كانت له ، فإن كان أولى الأولياء قال الله تعالى { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لا يصلي على موتاكم غيري ما دمت بين أظهركم } فلم يسقط بأداء غيره ، وهذا هو تأويل فعل الصحابة رضي الله عنهم فإن [ ص: 312 ] الولاية كانت لأبي بكر ; لأنه هو الخليفة إلا أنه كان مشغولا بتسوية الأمور وتسكين الفتنة فكانوا يصلون عليه قبل حضوره ، فلما فرغ صلى عليه ثم لم يصل بعده عليه والله أعلم .

وأما حديث النجاشي فيحتمل أنه دعاء ; لأن الصلاة تذكر ويراد بها الدعاء ، ويحتمل أنه خصه بذلك .

وأما قوله : إن لكل واحد من الناس حقا في الصلاة عليه قلنا : نعم لكن لا وجه لاستدراك ذلك لسقوط الفرض ، وعدم جواز التنفل بها ، وهو الجواب عن قوله : " إنها دعاء واستغفار " ; لأن التنفل بالدعاء والاستغفار مشروع ، وبالصلاة على الجنازة غير مشروع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث