الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر ملك داود

جزء التالي صفحة
السابق

ذكر فتنته بزوجة أوريا

ثم إن الله ابتلاه بزوجة أوريا .

وكان سبب ذلك أنه قد قسم زمانه ثلاثة أيام ، يوما يقضي فيه بين الناس ، ويوما يخلو فيه للعبادة ، ويوما يخلو فيه مع نسائه ، وكان له تسع وتسعون امرأة ، وكان يحسد فضل إبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ، فقال : أي ربي ، أرى الخير قد ذهب به آبائي فأعطني مثل ما أعطيتهم ! فأوحى الله إليه : إن آباءك ابتلوا ببلاء فصبروا ، ابتلي إبراهيم بذبح ابنه ، وابتلي إسحاق بذهاب بصره ، وابتلي يعقوب بحزنه على يوسف . فقال : رب ابتلني بمثل ما ابتليتهم ، وأعطني بمثل ما أعطيتهم . فأوحى الله إليه : إنك مبتلى فاحترس .

[ ص: 196 ] وقيل : كان سبب البلية أنه حدث نفسه أنه يطيق أن يقطع يوما بغير مقارفة سوء ، فلما كان اليوم الذي يخلو فيه للعبادة عزم على أن يقطع ذلك اليوم بغير سوء وأغلق بابه ، وأقبل على العبادة ، فإذا هو بحمامة من ذهب فيها كل لون حسن قد وقعت بين يديه ، فأهوى ليأخذها ، فطارت غير بعيد من غير أن ييأس من أخذها ، فما زال يتبعها وهي تفر منه حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه حسنها ، فلما رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها فاستترت به ، فزاده ذلك رغبة ، فسأل عنها ، فأخبر أن زوجها بثغر كذا فبعث إلى صاحب الثغر بأن يقدم أوريا بين يدي التابوت في الحرب ، وكان كل من يتقدم بين يدي التابوت لا ينهزم ، إما أن يظفر أو يقتل ، ففعل ذلك به فقتل .

وقيل : إن داود لما نظر إلى المرأة فأعجبته سأل عن زوجها ، فقيل : إنه في جيش كذا ، فكتب إلى صاحب الجيش أن يبعثه في سرية إلى عدو كذا ، ففعل ذلك ، ففتح الله عليه ، فكتب إلى داود فأمر داود أن يرسل أيضا إلى عدو كذا أشد منه ، ففعل ، فظفر ، فأمر داود أن يرسل إلى عدو ثالث ، ففعل ، فقتل أوريا في المرة الثالثة ، فلما قتل تزوج داود امرأته ، وهي أم سليمان في قول قتادة .

وقيل : إن خطيئة داود كانت أنه لما بلغه حسن امرأة أوريا تمنى أن تكون له حلالا ، فاتفق أن أوريا سار إلى الجهاد فقتل فلم يجد له من الهم ما وجده لغيره ، فبينما داود في المحراب يوم عبادته وقد أغلق الباب إذ دخل عليه ملكان أرسلهما الله إليه من غير الباب ، فراعه ذلك فقالا : لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب ، أي قهرني ، وأخذ نعجتي ، فقال للآخر : ما تقول ؟ قال : صدق ، إني أردت أن أكمل نعاجي مائة فأخذت نعجته . فقال داود : إذا لا ندعك [ ص: 197 ] وذاك ، فقال الملك : ما أنت بقادر عليه . قال داود : فإن لم ترد عليه ماله ضربنا منك هذا وهذا ، وأومأ إلى أنفه وجبهته . قال : يا داود أنت أحق أن يضرب منك هذا وهذا حيث لك تسع وتسعون امرأة ولم يكن لأوريا إلا امرأة واحدة فلم تزل به حتى قتل وتزوجت امرأته . ثم غابا عنه .

فعرف ما ابتلي به وما وقع فيه ، فخر ساجدا أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا لحاجة لا بد منها ، وأدام البكاء حتى نبت من دموعه عشب غطى رأسه ، ثم نادى : يا رب ، قرح الجبين ، وجمدت العين ، وداود لم يرجع إليه في خطيئته بشيء . فنودي : أجائع فتطعم ، أم مريض فتشفى ، أم مظلوم فتنصر ؟ قال : فنحب نحبة هاج ما نبت ، فعند ذلك قبل الله توبته ، وأوحى إليه : ارفع رأسك فقد غفرت لك . قال : يا رب ، كيف أعلم أنك قد غفرت لي ؟ وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء إذا جاء أوريا يوم القيامة آخذا رأسه بيمينه تشخب أوداجه دما قبل عرشك يقول : يا رب ، سل هذا فيم قتلني . فأوحى الله إليه : إذا كان ذلك دعوته وأستوهبك منه فيهبك لي فأهبه بذلك الجنة . قال : يا رب الآن علمت أنك قد غفرت لي .

قال : فما استطاع داود بعدها أن يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض . ونقش خطيئته في يده ، فكان إذا رآها اضطربت يده ، وكان يؤتى بالشراب ليشربه فكان يشرب نصفه أو ثلثيه فيذكر خطيئته فينتحب حتى تكاد مفاصله يزول بعضها من بعض ، ثم يملأ الإناء من دموعه . وكان يقال : إن دمعة داود تعدل دموع الخلائق ، وهو يجيء يوم القيامة وخطيئته مكتوبة في كفه فيقول : يا رب ، ذنبي قدمني ، فيقدم ، فلا يأمن فيقول : يا رب ، أخرني ، فلا يأمن .

وأزالت الخطيئة طاعة داود عن بني إسرائيل واستخفوا بأمره ، ووثب عليه ابن له يقال له إيشى ، وأمه ابنة طالوت فدعا إلى نفسه ، فكثر أتباعه من أهل الزيغ من بني إسرائيل ، فلما تاب الله على داود اجتمع إليه طائفة من الناس فحارب ابنه حتى هزمه [ ص: 198 ] ووجه إليه بعض قواده وأمره بالرفق به والتلطف لعله يأسره ولا يقتله ، وطلبه القائد وهو منهزم فاضطره إلى شجرة فقتله ، فحزن عليه داود حزنا شديدا وتنكر لذلك القائد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث