الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( قوله والسنة قبل الفجر وبعد الظهر والمغرب والعشاء ركعتان وقبل الظهر والجمعة وبعدها أربع ) شرع في بيان النوافل بعد ذكر الواجب فذكر أنها نوعان سنة ومندوب فالأول في كل يوم ما عدا الجمعة ثنتا عشرة ركعة وفي يوم الجمعة أربع عشرة ركعة والأصل فيه ما رواه الترمذي وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثابر على ثنتي عشرة ركعة من السنة بنى الله له بيتا في الجنة } وذكرها كما في الكتاب وروى مسلم أنه عليه الصلاة والسلام كان يصليها وبدأ المصنف بسنة الفجر لأنها أقوى السنن باتفاق الروايات لما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت { لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر } وفي لفظ لمسلم { ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها } وفي أوسط الطبراني عنها أيضا { لم أره ترك الركعتين قبل صلاة الفجر في سفر ولا حضر ولا صحة ولا سقم } وقد ذكروا ما يدل على وجوبها قال في الخلاصة أجمعوا أن ركعتي الفجر قاعدا من غير عذر لا يجوز كذا روى الحسن عن أبي حنيفة ا هـ .

وفي النهاية قال مشايخنا العالم إذا صار مرجعا في الفتاوى يجوز له ترك سائر السنن لحاجة الناس إلى فتواه إلا سنة الفجر ا هـ .

وفي المضمرات معزيا إلى العتابي من أنكر سنة الفجر يخشى عليه الكفر وفي الخلاصة الظاهر من الجواب أن السنة لا تقضى إلا سنة الفجر ومما يدل على وجوبها ما في سنن أبي داود عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا تدعوا ركعتي الفجر ولو طردتكم الخيل } فقد وجدت المواظبة عليها بما قدمناه والنهي عن تركها لكن المنقول في أكثر الكتب أنها سنة مؤكدة

وإن قلنا إنها بمعنى الواجب هنا لم يصح لأنها تتأدى بمطلق النية قال في التجنيس رجل صلى ركعتين تطوعا وهو يظن أن الفجر لم يطلع فإذا الفجر طالع يجزئه عن ركعتي [ ص: 52 ] الفجر هو الصحيح لأن السنة تطوع فتتأدى بنية التطوع ا هـ .

لكن في الخلاصة الأصح أنها لا تنوب وهو يدل على الوجوب وفيها أيضا عن متفرقات شمس الأئمة الحلواني رجل صلى أربع ركعات في الليل فتبين أن الركعتين الآخرتين بعد طلوع الفجر تحتسب عن ركعتي الفجر عندهما وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة قال وبه يفتى ا هـ .

ورده في التجنيس بأن الأصح أنها لا تنوب عن ركعتي الفجر كما إذا صلى الظهر ستا وقد قعد على رأس الرابعة فإنه لا تنوب الركعتان عن ركعتي السنة في الصحيح من الجواب كذا هذا وهذا لأن السنة ما واظب النبي صلى الله عليه وسلم عليها ومواظبته عليه السلام كانت بتحريمة مبتدأة وفي الخلاصة والسنة في ركعتي الفجر ثلاث أحدها أن يقرأ في الركعة الأولى { قل يا أيها الكافرون } وفي الثانية الإخلاص والثانية أن يأتي بهما أول الوقت والثالثة أن يأتي بهما في بيته وإلا فعلى باب المسجد وإلا ففي المسجد الشتوي إن كان الإمام في الصيفي أو عكسه إن كان يرجو إدراكه وإن كان المسجد واحدا يأتي بهما في ناحية من المسجد ولا يصليهما مخالطا للصف مخالفا للجماعة فإن فعل ذلك يكره أشد الكراهة ولا يطول القراءة فيهما ولو تذكر في الفجر أنه لم يصل ركعتي الفجر لم يقطع ا هـ

وذكر الولوالجي إمام يصلي الفجر في المسجد الداخل فجاء رجل يصلي الفجر في المسجد الخارج اختلف المشايخ فيه قال بعضهم يكره وقال بعضهم لا يكره لأن ذلك كله كمكان واحد بدليل جواز الاقتداء لمن كان في المسجد الخارج بمن كان في المسجد الداخل وإذا اختلف المشايخ فالاحتياط أن لا يفعل ا هـ .

وفي القنية إذا لم يسع وقت الفجر إلا الوتر والفجر أو السنة والفجر فإنه يوتر ويترك السنة عند أبي حنيفة وعندهما السنة أولى من الوتر ا هـ .

وفي المحيط ولو صلى ركعتي الفجر مرتين بعد الطلوع فالسنة آخرهما لأنه أقرب إلى المكتوبة ولم يتخلل بينهما صلاة والسنة ما تؤدى متصلا بالمكتوبة ا هـ .

وفي القنية واختلف في آكد السنن بعد سنة الفجر فقيل الأربع قبل الظهر والركعتان بعده والركعتان بعد المغرب كلها سواء والأصح أن الأربع قبل الظهر آكد ا هـ .

وهكذا صححه في العناية والنهاية لأن فيها وعيدا معروفا قال عليه الصلاة والسلام { من ترك أربعا قبل الظهر لم تنله شفاعتي } وفي التجنيس والنوازل والمحيط رجل ترك سنن الصلوات الخمس إن لم ير السنن حقا فقد كفر لأنه ترك استخفافا وإن رأى حقا منهم من قال لا يأثم والصحيح أنه يأثم لأنه جاء الوعيد بالترك ا هـ .

وتعقبه في فتح القدير بأن الإثم منوط بترك الواجب وقد { قال صلى الله عليه وسلم للذي قال والذي بعثك بالحق لا أزيد على ذلك شيئا أفلح إن صدق } ا هـ .

ويجاب عنه بأن السنة المؤكدة بمنزلة الواجب في الإثم بالترك كما صرحوا به كثيرا وصرح به في المحيط هنا وأنه لا يجوز ترك السنن المؤكدة ولو صلى وحده وهو أحوط ا هـ وبأن حديث الأعرابي كان متقدما وقد شرع بعده أشياء كالوتر فجاز أن تكون السنن المؤكدة كذلك لما قدمنا أنه لم يذكر له صدقة الفطر وقد اتفقوا على أنه يأثم بتركها وفي النهاية وذكر الحلواني أنه لا بأس بأن يقرأ بين الفريضة والسنة الأوراد وفي شرح الشهيد القيام إلى السنة متصلا بالفرض مسنون وفي الشافي [ ص: 53 ] كان عليه الصلاة والسلام { إذا سلم يمكث قدر ما يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك يعود السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام }

وكذلك عن البقالي ولم يمر بي لو تكلم بعد الفريضة هل تسقط السنة قيل تسقط وقيل لا تسقط ولكن ثوابه أنقص من ثوابه قبل التكلم ا هـ .

وفي القنية الكلام بعد الفرض لا يسقط السنة ولكن ينقص ثوابه وكل عمل ينافي التحريمة أيضا وهو الأصح ا هـ .

وفي الخلاصة لو صلى ركعتي الفجر أو الأربع قبل الظهر واشتغل بالبيع والشراء أو الأكل فإنه يعيد السنة أما بأكل لقمة أو شربة لا تبطل السنة ا هـ .

وفي المجتبى وفي الأربع قبل الظهر والجمعة وبعدها لا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في القعدة الأولى ولا يستفتح إذا قام إلى الثالثة بخلاف سائر ذوات الأربع من النوافل ا هـ .

وصحح في فتاواه أنه لا يأتي بهما في الكل لأنها صلاة واحدة ا هـ .

ولا يخفى ما فيه فالظاهر الأول والدليل على استنان الأربع قبل الجمعة ما رواه مسلم مرفوعا { من كان مصليا قبل الجمعة فليصل أربعا } مع ما رواه ابن ماجه عن ابن عباس قال { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركع من قبل الجمعة أربعا لا يفصل في شيء منهن } وعلى استنان الأربع بعدها ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعا { إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا } وفي رواية { إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعا } وذكر في البدائع أنه ظاهر الرواية وعن أبي يوسف أنه ينبغي أن يصلي أربعا ثم ركعتين وذكر محمد في كتاب الاعتكاف أن المعتكف يمكث في المسجد الجامع مقدار ما يصلي أربعا أو ستا ا هـ .

وفي الذخيرة والتجنيس وكثير من مشايخنا على قول أبي يوسف وفي منية المصلي والأفضل عندنا أن يصلي أربعا ثم ركعتين وفي القنية صلى الفريضة وجاء الطعام فإن ذهب حلاوة الطعام أو بعضها يتناول ثم يأتي بالسنة وإن خاف الوقت يأتي بالسنة ثم يتناول الطعام ولو نذر بالسنن وأتى بالمنذور به فهو السنة وقال تاج الدين أبو صاحب المحيط لا يكون آتيا بالسنة لأنه لما التزمها صارت أخرى فلا تنوب مناب السنة ولو أخر السنة بعد الفرض ثم أداها في آخر الوقت لا تكون سنة وقيل تكون سنة ا هـ .

والأفضل في السنن أداؤها في المنزل إلا التراويح وقيل إن الفضيلة لا تختص بوجه دون وجه وهو الأصح لكن كل ما كان أبعد من الرياء وأجمع للخشوع والإخلاص فهو أفضل كذا في النهاية وفي الخلاصة في سنة المغرب إن خاف لو رجع إلى بيته شغله شأن آخر يأتي بها في المسجد وإن كان لا يخاف صلاها في المنزل وكذا في سائر السنن حتى الجمعة والوتر في البيت أفضل ا هـ .

التالي السابق


( قوله لا يجوز ) قال الرملي أي لا يصح كما يدل عليه قوله أو لا وقد ذكروا ما يدل على وجوبها وقد فهم بعض أن معناه لا يحل وهو غير سديد ا هـ .

قلت قد مر عدم جواز صلاة الوتر قاعدا عند الإمامين أيضا مع أنهما قائلان بسنيته تأمل ( قوله يخشى عليه من الكفر ) وقع في عبارة مسكين حتى يكفر جاحدها واستشكله بعض الفضلاء بما صرحوا به من عدم تكفير جاحد الوتر إجماعا وغاية ركعتي الفجر أن تكون كالوتر فكيف يكفر جاحدها وأجاب بأن المراد من الجحود في جانب الوتر جحود وجوبه لا أصله بخلافه في جانب ركعتي الفجر فإن المراد به جحود أصل السنة فلا تنافي حتى لو أنكر الوتر نفسه يكفر وأيده بعضهم بما نقله عن الشيخ قاسم في الألفاظ المكفرة من قوله ومن أنكر أصل الوتر وأصل الأضحية كفر ا هـ لكن ينافيه ظاهر قول الزيلعي وإنما لا يكفر جاحده لأنه ثبت بخبر الواحد فلا يعرو عن شبهة ا هـ .

وقد يقال المراد جحد الوجوب لا أصل المشروعية لانعقاد الإجماع عليها تأمل ( قوله وإن قلنا إنها بمعنى الواجب ) لا يخفى أن السنة المؤكدة هي ما كان بمعنى الواجب من جهة الإثم كما مر ويأتي قريبا فكان حق التعبير أن يقول وإن قلنا أنها واجبة [ ص: 52 ] ( قوله وهو يدل على الوجوب ) فيه نظر لاحتمال أن يكون مبنيا على القول بأن الراتبة لا تتأدى إلا بالتعيين وهو الذي صححه قاضي خان وإن كان الجمهور على خلافه كما مر في شروط الصلاة ويدل على ما قلنا ما في الذخيرة من الفصل الحادي عشر قال شمس الأئمة وهذه الرواية تشهد أن السنة تحتاج إلى النية ا هـ .

والإشارة إلى الرواية التي صححها صاحب الخلاصة ( قوله ورده في التجنيس إلخ ) قال في النهر وترجيح التجنيس في المسألتين أوجه أي في هذه المسألة والتي قبلها ( قوله فجاء رجل يصلي الفجر ) أي ركعتي الفجر كما هو مصرح به في عبارة التجنيس ( قوله فالسنة آخرهما إلخ ) قال في النهر هو مبني على أن الأفضل إيلاؤهما للفرض وقبل تقديمهما أول الوقت وجزم في الخلاصة به وعليه فينبغي كون السنة أولهما ا هـ .

( خاتمة ) في الموطإ أخبرنا مالك أخبرنا نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه رأى رجلا ركع ركعتي الفجر ثم اضطجع فقال ابن عمر رضي الله عنه ما شأنه فقال نافع قلت يفصل بين صلاته قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وأي فصل أفضل من السلام قال محمد بقول ابن عمر نأخذ وهو قول أبي حنيفة ا هـ .

كذا في شرح الشيخ إسماعيل ( قوله وفي القنية واختلف في آكد السنن إلخ ) قال الرملي قال العلامة الحلبي في شرح منية المصلي أقوى السنن المؤكدة ركعتا الفجر حتى روي عن أبي حنيفة رحمه الله أنها لا تجوز مع القعود لغير عذر لقوله { عليه الصلاة والسلام صلوها ولو طردتكم الخيل } ثم الآكد بعدها قيل ركعتا المغرب ثم التي بعد الظهر ثم التي بعد العشاء ثم التي قبل الظهر والأصح أن التي قبل الظهر آكد بعد سنة الفجر ثم الباقي على السواء وقد نقل مثله في النهر ثم قال وصححه يعني الذي قبل هذا الأصح المحسن وقد أحسن والله تعالى أعلم [ ص: 53 ] ( قوله وفي الخلاصة لو صلى ركعتي الفجر إلخ ) قال الرملي ربما يدعي عدم المخالفة بين كلاميهما بحمل قوله يعيد السنة أي لتلافي النقصان الحاصل بالاشتغال بالبيع ونحوه وقوله بأكل لقمة أو شربة لا تبطل السنة أي لا ينقص ثوابها إذ حقيقة البطلان بعيدة لعدم المنافي تأمل ( قوله في الكل لأنها صلاة واحدة ) وقد تقدم في شرح قوله وفيما بعد الأوليين اكتفي بالفاتحة أن ما ذكر مسلم فيما قبل الظهر لما صرحوا به من أنه لا تبطل شفعة الشفيع بالانتقال إلى الشفع الثاني منها ولو أفسدها قضى أربعا والأربع قبل الجمعة بمنزلتها وأما الأربع بعد الجمعة فغير مسلم بل هي كغيرها من السنن فإنهم لم يثبتوا لها تلك الأحكام المذكورة ا هـ .

لكن ذكر في شرح المنية هذه السنن الثلاث وفرع عليها تلك الأحكام

( قوله وعلى استنان الأربع بعدها ما في صحيح مسلم إلخ ) الحديث الأول يدل على الوجوب والثاني على الاستحباب فقلنا بالسنة مؤكدة جمعا بينهما كذا أفاده في شرح المنية وفي الشرنبلالية وظاهر كلام المصنف يعني صاحب الدرر أن حكم سنة الجمعة كالتي قبل الظهر حتى لو أداها بتسليمتين لا يكون معتدا بها وينبغي تقييده بعدم العذر لقول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم { إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعا فإن عجل بك شيء فصل ركعتين في المسجد وركعتين إذا رجعت } ذكر الحديث في البرهان في استدلاله على ثبوت الأربع بعد الجمعة ا هـ ( قوله وعن أبي يوسف إلخ ) قال في الذخيرة وعن علي رضي الله عنه أنه يصلي ستا ركعتين ثم أربعا وعنه رواية أخرى أنه يصلي بعدها ستا أربعا ثم ركعتين وبه أخذ أبو يوسف والطحاوي وكثير من المشايخ رحمهم الله وعلى هذا قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى الأصل أن يصلي أربعا ثم ركعتين فقد أشار إلى أنه مخير بين تقديم الأربع وبين تقديم المثنى ولكن الأفضل تقديم الأربع كي لا يصير متطوعا بعد الفرض مثلها ا هـ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث