الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الأول لقد هممت أن أنهى عن الغيلة

1292 [ ص: 90 ] حديث أول لأبي الأسود . مالك عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل أنه قال : أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين عن جذامة بنت وهب الأسدية أنها أخبرتها أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لقد هممت أن أنهى عن الغيلة ، حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم

التالي السابق


( قال أبو عمر : ) ( هكذا هو في الموطأ عند جميع الرواة ، إلا أبا عامر العقدي ، فإنه جعله عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر جذامة ، وكذلك رواه القعنبي في سماعه من مالك في غير الموطأ ، ورواه في الموطأ كما رواه سائر الرواة عن عائشة عن جذامة ) . [ ص: 91 ] وهذا حديث صحيح ثابت ، وفيه رواية الصاحب عن الصاحب ، ورواية المرء عمن هو دونه في العلم ، وجذامة هذه هي أم قيس بنت وهب بن محصن أخي عكاشة بن محصن الأسدي ، وقد ذكرناها في كتابنا في الصحابة بما فيه كفاية . ( حدثنا خلف بن قاسم : حدثنا عبد الله بن عمر بن إسحاق : حدثنا محمد بن جعفر الإمام : حدثنا خلف بن هشام البزار وحدثنا خلف ( حدثنا أحمد ) بن الحسن بن إسحاق : حدثنا جعفر بن محمد بن بكر البالسي حدثنا أبو جعفر عبد الله بن محمد بن نفيل النفيلي الحراني قالا جميعا : حدثنا مالك بن أنس عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل ، عن عروة عن عائشة عن جذامة الأسدية قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لقد ) هممت أن أنهى عن الغيلة حتى بلغني أن الروم وفارس تفعله ، قال النفيلي : فلا يضرهم ، وقال خلف : فلا يضر أولادهم ) ذلك . وأما الغيلة فقد فسرها مالك في موطئه إثر هذا الحديث ، ذكره القعنبي وغيره عن مالك قال : والغيلة أن يمس الرجل امرأته وهي ترضع ، حملت أو تحمل . قال أبو عمر : اختلف العلماء وأهل اللغة في معنى الغيلة ; فقال منهم قائلون : كما قال مالك : معناها أن يطأ الرجل امرأته [ ص: 92 ] وهي ترضع ، وقال الأخفش : الغيلة والغيل سواء ، وهو أن تلد المرأة فيغشاها زوجها وهي ترضع فتحمل ، فإذا حملت فسد اللبن على الصبي ، ويفسد به جسده ، وتضعف قوته ، حتى ربما كان ذلك في عقله ، قال : وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( فيه ) أنه ليدرك الفارس فيدعثره عن سرجه أي يضعف فيسقط عن السرج قال الشاعر :

فوارس لم يغالوا في رضاع فتنبو في أكفهم السيوف

يقال : قد أغال الرجل ولده ، وأغيل الصبي ، وصبي مغال ومغيل ، إذا وطئ أبوه أمه في رضاعه ، قال امرؤ القيس : فألهيتها عن ذي تمائم مغيل وقال أبو كبير الهذلي :

ومبرأ من كل غير حيضة     وفساد مرضعة وداء مغيل

وأما الحديث الذي ذكره الأخفش فهو حديث أسماء بنت يزيد بن السكن ( والغيل لبن الفحل قال الأصمعي ) : [ ص: 93 ] ذكره ابن أبي شيبة قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا ابن أبي غنية ، عن محمد بن مهاجر ، عن أبيه عن أسماء بنت يزيد قالت : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا تقتلوا أولادكم سرا فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثره عن ظهر فرسه ، ورواه حماد بن خالد الخياط قال : حدثنا معاوية بن صالح ، عن مهاجر مولى أسماء بنت يزيد قال : سمعت أسماء تقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تقتلوا أولادكم سرا ، فذكر نحوه إلا أنه قال : والذي نفسي بيده إن الغيل ربما أدرك الفارس ، أو أنه ليدرك الفارس فيدعثره ، وقال بعض أهل العلم ، وأهل اللغة : الغيل أن ترضع المرأة ولدها وهي حامل ، وقال بعض أهل العلم أيضا : الغيل نفسه الرضاع ، وجمعه مغايل . ( وقال الأصمعي : الغيل لبن الحامل ، ويقال : الغيل الماء الجاري على وجه الأرض ، ويقال : الغيل نيل مصر الذي تنبت عليه زروعهم ) . وفي هذا الحديث إباحة الحديث عن الأمم الماضية بما يفعلون . وفيه دليل على أن من نهيه عليه السلام ما يكون أدبا ورفقا وإحسانا إلى أمته ليس من باب الديانة ، ولو نهى عن الغيلة كان ذلك وجه نهيه عنها ، والله أعلم . وقال ابن القاسم [ ص: 94 ] وابن الماجشون ، وحكاه ابن القاسم عن مالك ولم يسمعه منه ، في الرجل يتزوج المرأة ، فيصيبها وهي ترضع : أن ذلك اللبن له ، وللزوج قبله ; لأن الماء يغير اللبن ، ويكون منه الغذاء ، واحتج بهذا الحديث : لقد هممت أن أنهى عن الغيلة ، قال ابن القاسم : وبلغني عن مالك : إذا ولدت المرأة من الرجل فاللبن منه بعد الفصال وقبله ، ولو طلقها وتزوجت وحملت من الثاني فاللبن منهما جميعا أبدا حتى يتبين انقطاعه من الأول . وقال أبو حنيفة وأصحابه ، والشافعي : اللبن من الأول في هذه المسألة حتى تضع فيكون من الآخر ، وهو قول ابن شهاب ، وقد روي عن الشافعي أنه منهما حتى تضع فيكون من الثاني ، وقد مضى القول في لبن الفحل في باب ابن شهاب عن عروة ، والحمد لله .


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث