الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


362 369 - حدثنا إسحاق قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا ابن أخي ابن شهاب، عن عمه قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر نؤذن بمنى: ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد بن عبد الرحمن: ثم أردف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليا، فأمره أن يؤذن بـ براءة . قال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. [1622، 3177، 4363، 4655، 4656، 4657 - مسلم: 1347 - فتح: 1 \ 477] .

التالي السابق


ذكر فيه ثلاثة أحاديث:

أحدها:

حديث أبي سعيد الخدري: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن اشتمال الصماء، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد، ليس على فرجه منه شيء.

وهذا الحديث ذكره في البيوع أيضا، واللباس، وسيأتي فيها [ ص: 307 ] من غير هذا الوجه.

وقد اشتمل على حكمين:

[الحكم] الأول: اشتمال الصماء وهو كما قال في "الصحاح" أن يجلل جسده كله بالإزار أو الكساء ويرده من قبل يمينه على يساره على يده اليسرى وعاتقه الأيسر، ثم يرده ثانيا من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن فيغطيهما جميعا، وذكر ابن الأثير: أنها التجلل بالثوب وإرساله من غير أن يرفع جانبه، وإنما قيل لها الصماء؛ لأنه يسد على يده ورجليه المنافذ كلها؛ إذ الصخرة الصماء التي ليس فيها خرق ولا صدع.

والفقهاء يقولون: هو أن يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيره من أحد جانبيه، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه فتنكشف عورته.

قال القزاز: وقيل إنما روي ذلك؛ لأن الرجل يجب أن يحترس في صلاته من أن يصيبه شيء، فإذا فعل ذلك لم يقدر على الدفع، والبخاري -في كتاب اللباس- فسرها بأن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب وهو نحو ما حكاه أبو عبيد عن نفسه والفقهاء، ونقل أبو عبيد عن العرب أنهم فسروها مما ذكره ابن الأثير أولا، وفسرها صاحب "المهذب" بأن يلتحف بثوب ثم يخرج [ ص: 308 ] يده من قبل صدره وهو غريب.

واختلف قول مالك في اشتمال الصماء، إذا كان تحتها ثوب، فمرة أجازها ومرة كرهها.

فرع: في أبي داود من حديث ابن عمر: النهي عن اشتمال اليهود وإسناده صحيح، وهو كما قال الخطابي: أن يجلل بدنه بالثوب ويسبله من غير أن يرفع طرفه.

قال البغوي: وإلى هذا ذهب الفقهاء، قال: وفسر الأصمعي الصماء بهذا، وقد روي أنه نهى عن الصماء اشتمال اليهود، فجعلها شيئا واحدا.

الحكم الثاني: الاحتباء: وهو أن يقعد على إليتيه وينصب ساقيه ويحتزم بالثوب على حقويه وركبتيه، وفرجه باد، كانت العرب تفعله؛ لأنه أرفق لها في جلوسها. وقال البخاري في اللباس: هو أن يحتبي بثوب وهو جالس ليس على فرجه منه شيء.

قال الخطابي: هو أن يجمع ظهره ورجليه بثوب، يقال: العمائم [ ص: 309 ] تيجان العرب، والحباء حيطانها وحبوة بالكسر أعلى من الضم، وقد يكون الاحتباء باليدين عرض الثوب، والاحتباء على ثوب جائز؛ لأنه - عليه السلام - إنما نهى عنه خشية أن ينكشف فرجه عند التحرك أو زوال الثوب، وكره الصلاة محتبيا ابن سيرين، وأجازها الحسن والنخعي وعروة وسعيد بن المسيب وعبيد بن عمير وكان سعيد بن جبير يصلي محتبيا، فإذا أراد أن يركع حل حبوته، ثم قام وركع. وصلى التطوع محتبيا عطاء وعمر بن عبد العزيز.

الحديث الثاني:

حديث أبي هريرة قال: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيعتين: عن اللماس والنباذ، وأن يشتمل الصماء، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد.

هذا الحديث سيأتي في النهي عن الصلاة بعد الفجر وغيره أيضا، وأخرجه مسلم أيضا في البيوع وسفيان المذكور في إسناده هو الثوري، وفيه أربعة أحكام، سلف منها اشتمال الصماء والاحتباء.

واللماس: هو بيع الملامسة؛ بأن يلمس ثوبا مطويا ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه، هذا تأويل الشافعي أو يجعل نفس اللمس بيعا، فيقول: إذا لمسته فهو مبيع لك أو أنه يبيعه شيئا على أنه متى لمسه انقطع الخيار ولزم البيع وكله باطل؛ لأنه غرر أو تعليق أو عدوله عن الصيغة الشرعية.

[ ص: 310 ] والنباذ: هو بيع المنابذة ويفسر الشافعي أن يجعلا نفس النبذ بيعا أو يقول بعتك على أني إذا نبذت إليك وجب البيع، والمراد: نبذ الحصاة وكله باطل، وسيأتي إن شاء الله تعالى في بابه.

الحديث الثالث:

حديث أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر نؤذن بمنى، ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.. الحديث بطوله.

وسيأتي في الحج بزيادة، وفي المغازي، في حج أبي بكر بالناس، وفي التفسير في سورة براءة بأسانيد، والجزية، وأخرجه مسلم أيضا.

ثم الكلام عليه من وجوه:

أحدها:

إسحاق شيخ البخاري في هذا الحديث هو: الكوسج إسحاق بن منصور، كما صرح به أبو نعيم في "مستخرجه" بعد أن رواه من طريق عقيل، عن الزهري، وأبو مسعود وخلف في أطرافهما.

وقال الجياني: إن بعضهم قال: إنه هذا، وإن بعضهم قال: إنه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وقال أبو نصر: إنهما يرويان جميعا عن [ ص: 311 ] يعقوب بن إبراهيم الزهري، وذكر المزي أن الذي هنا ابن إبراهيم، وأن الذي في براءة ابن منصور.

ثانيها:

هذا الحديث ذكره أبو مسعود وابن عساكر والحميدي في مسند أبي بكر، وذكره خلف وابن أبي أحد عشر في "جمعه" في مسند أبي هريرة، وأشار إليه في مسند أبي بكر.

وقول حميد: (ثم أردف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليا) إلى آخره، يحتمل أن يكون تلقاه من أبي هريرة، ويكون الزهري رواه عنه موصولا عند [ ص: 312 ] البخاري، وكان هذا هو مستند أبي نعيم حين قال في آخره عند استخراجه له: رواه -يعني: البخاري- عن إسحاق بن منصور.

ثالثها:

هذه الحجة هي في السنة التاسعة كما ذكره (في) المغازي حج أبو بكر بالناس.

رابعها:

قوله: (لا يحج بعد العام مشرك) هو موافق لقوله تعالى: إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا [التوبة: 28] والمراد بالمسجد الحرام هنا: الحرم بمكة، فلا يمكن مشرك من دخول الحرم بحال حتى لو جاء في رسالة أو أمر مهم لا يمكن من الدخول بل يخرج إليه من يقضي الأمر المتعلق به، ولو دخل خفية ومرض ومات نبش وأخرج من الحرم.

خامسها:

قوله: (ولا يطوف بالبيت عريان) هو إبطال لما كانت الجاهلية عليه من الطواف عراة، واستدل به أصحابنا على اشتراط ستر العورة في الطواف، قال ابن عبد البر: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر بالخروج إلى الحج وإمامته للناس فخرج أبو بكر، ونزل صدر براءة بعده، فقيل: يا رسول الله، لو بعثت بها إلى أبي بكر يقرؤها على الناس في الموسم، فقال: "إنه لا يؤديها عني إلا رجل من أهل بيتي"، ثم دعا عليا، فقال: "اخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذن بها في الناس [ ص: 313 ] يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى"، فخرج على ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العضباء حتى أدرك أبا بكر بالطريق وقيل: بذي الحليفة، وقيل: بالعرج، فوصل في السحر، فسمع أبو بكر رغاء ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا علي، فقال أبو بكر: أستعملك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الحج؟ قال: لا، ولكن بعثني أن أقرأ براءة على الناس، فقال له أبو بكر: أمير أو مأمور؟ فقال: بل مأمور.

وفي "فضائل علي" لأحمد بن حنبل: لما بلغ أبو بكر ذا الحليفة، وفي لفظ: بالجحفة، بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي بكر فرده، وقال: "لا يذهب بها إلا رجل من أهل بيتي" وفي لفظ: فرجع أبو بكر فقال: يا رسول الله، نزل في شيء؟ قال: "لا، ولكن جبريل جاءني فقال: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك".

قيل: الحكمة في إعطاء براءة لعلي: أن براءة تضمنت نقض العهد، وكانت سيرة العرب أن لا يحل العقد إلا الذي عقده، أو رجل من أهل بيته، فأراد - صلى الله عليه وسلم - أن يقطع ألسنة العرب بالحجة، ويرسل ابن عمه الهاشمي؛ حتى لا يبقى لهم متكلم. قيل: إن في سورة براءة ذكر فضل الصديق -يعني: قوله تعالى: ثاني اثنين إذ هما في الغار [التوبة: 40]- وأراد - صلى الله عليه وسلم - أن غيره يقرؤها.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث